دنيا

صقر: الفنان المسلم يبدع للتأمل في جمال الكون

من أعمال الفنان التشكيلي أحمد صقر (من المصدر)

من أعمال الفنان التشكيلي أحمد صقر (من المصدر)

مجدي عثمان (القاهرة)

تقول الناقدة الألمانية إيفلين كورير، تمزج أعمال الفنان التشكيلي المصري أحمد صقر بوضوح بين الحضارة الإسلامية وبين الفن الأوروبي الحديث، وتلك الخاصية في أعماله تظهر للمتذوق وكأنها تشع ضوءاً من داخلها وتبعث الهدوء في الناظر إليها، وتفسر ذلك بأننا لا يمكننا فهم أعماله دون أن نضع في اعتبارنا الخلفية الدينية والثقافة الإسلامية له، فهو كإنسان تؤثر في وجوده وكيانه كله عملية الخلق والإبداع الإلهية، لهذا فإن لوحاته تعكس احتراماً شديداً للخلق والإبداع.
ما قالته الناقدة الألمانية «إيفلين كورير»، كان بعد متابعة ممتدة لصقر بدأت في دراسته لدرجة الماجستير عن المخطوطات الإسلامية كصورة مبكرة لفنون الكتاب، أتبعها بالدكتوراه تحت عنوان «لغة تشكيلية معاصرة لفنون الكتاب من خلال الفنون الإسلامية»، حيث يرى صقر أن الفن الإسلامي بما يمتلك من قدرة تجريدية ورمزية لعالم مثالي نابع عن عقيدة قوية مثالية، وما يحمل من معانٍ روحية سامية، يُزيد اللذة، من خلال مزيج من العقلية والروحانية لا تغلب إحداهما الأخرى، ولكن تعضد كل منهما الأخرى.
ويوضح صقر أن الفنان المسلم حمّل الفن تصوره الديني للجمال الإلهي المطلق، ولكنه لم يبدع بدافع ديني أو لخدمة الدين والحصول على بهجة مادية أو متعة دنيوية كما في الفنون الأخرى، ولكن للتأمل في الجمال المطلق الذي هو «الله»، فالهدف ليس جمال الشكل، ولكن كشف جمالية الهندسة الكونية وبديعية الخلق، وهي رغبة في عبادة الله جمالياً، بالإضافة إلى العبادة المفروضة، فغرض العملية الفنية في الإسلام هو كما في الصلاة، التأمل، والعمل على شفافية الواقع الزائل لاجتيازه إلى ما وراءه، وإبداع الأشكال التي تقود إلى واقع آخر غير متناه.
يقول صقر إن استشعار الفنان المسلم للحضرة الإلهية هو ما جعله يفر إلى الأسلوب التجريدي لا لشيء إلا لأن طبيعة عقيدته في الله تدفعه دفعاً إلى هذا الأسلوب، ولقد أراد الفنان المسلم أن يقضي على الخوف والشك والتردد، تلك المشاعر التي تستبد بنفس الإنسان إزاء المتغير وإزاء المجهول، وأن يحل محلها مشاعر الطمأنينة والسكينة، وهذا ما يتمثل لنا من خلال رسومه وأشكاله التجريدية. ويشير صقر إلى أن الفن الإسلامي الذي اختار الدخول إلى عالم المعنى الأعمق، عالم التجريد الرحب، بإيمان وقناعة وبجذور متوارثة، إنما اختار ذلك تأكيداً لأهمية الجمال الذي يعتبر شرطاً أساسياً من شروط الحياة عند المسلم، لأن الجمال بشكله المطلق من صفاته تعالى، ولأن الجمال الأرضي متحقق فيما خلقه الله، والإسلام ينكر الشطط الذي خالف الطبيعة، كالإنسان الذي جعله فلاسفة اليونان وأساتذة الفن والأدب في إيطاليا عصر النهضة محوراً في قلب العالم، فقد فخموا المنزلة البشرية ومجدوا العري وأصبح الإنسان مقياس الأشياء كلها، فالفنان المسلم يواجه الطبيعة لكي يتناول عناصرها ويفككها إلى عناصر، ثم يتم صياغة تلك العناصر في صورة عذبة جميلة، وهو لا يفكر في محاكاة الطبيعة، لأن هذا هدف لا يسعى إليه ولا يعنيه، ويجمع اليوم الكثير من النقاد على أن الفن يبدأ حيث يأخذ الفنان في الانصراف عن محاكاة الطبيعة، ويفرض عليها وزناً وإيقاعاً من عنده. ويؤكد صقر أنه لا يوجد في الفنون الإسلامية فزع من الفراغ لأنه لا وجود له أصلاً في حياة الفنان المسلم، والوجود امتلاء كامل بالجمال، فالقدرة الإلهية موجودة في كل شيء، ومن ثم فهذا التعدد والاستقلال في عناصر الموضوع يجعل اللحظة الزمنية للعمل الفني متعددة بتعدد العناصر، وهي متفاوتة في المدة بحسب ما فيها من تدقيق تجميلي.