دنيا

معجزات يوسف.. تأويل الأحاديث وتفسير الرؤى

أحمد شعبان (القاهرة)

اختص الله عز وجل نبيه يوسف عليه السلام بالرؤيا الصادقة التي تحدثت عن أحداث كثيرة قبل وقوعها، فكانت رؤياه وحلمه وهو نائم معجزة، وكان تفسيره للأحلام معجزة كبيرة تدل على ما اختصه ربه به من معجزات عظيمة. ويوسف هو ابن نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، نشأ بين أحد عشر أخٍ، ورزقه الله بقدر عالٍ من الجمال لم يرزق به أحد من إخوته، له مكانه كبيرة في قلب والده وحظي بحب كبير منه، مما أدى إلى اشتعال الغيرة بين إخوته ومحاولة إزاحته من طريقهم. أخبر يوسف عليه السلام والده أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، فطلب منه ألا يقص هذه الرؤيا على إخوته، وذات يوم اجتمع الإخوة وقرروا أن يلقوا به في بئر، وقاموا بتلطيخ قميصه بدم كذب، وذهبوا إلى والدهم يبكون وأخبروه بأن الذئب أكله.

امرأة العزيز
رأت قافلة يوسف وقاموا بإخراجه وأخذوه، وتعاملوا معه كأنه بضاعة، ثم باعوه في سوق العبيد بمصر إلى أن وصل إلى العزيز، قام بشرائه وأخذه إلى قصره وأوصى زوجته أن تكرم مثواه، إلى أن كبر، وأصبح شاباً، وأحبته امرأة العزيز ودعته إلى نفسها، لكنه استعان بالله وأخبرها إنه لن يخون سيده الذي رباه وأحسن مثواه، وعندما همّ بالخروج همت وراءه وجذبته من قميصه حتى انقطع، ووجدت زوجها عند الباب فأخبرته أن يوسف يراودها، وقالت له أن جزاء من يفعل هذا هو السجن أو التعذيب.
وشهد صبي من أهلها أن كان قميصه قطع من الإمام فهو كاذب، وإن كان قطع من الخلف، فهي كاذبة، ورأوا قميصه قطع من الخلف، فتأكدوا من براءته، ثم دعت امرأة العزيز نساء المدينة إلى بيتها وأعدت لهن مائدة وأعطت كل امرأة سكينا، وطلبت من يوسف الخروج عليهن، فصعقن من شدة جمالة لدرجة أنهن قطعن أيديهن بالسكين، وأخبرت يوسف أنه إن لم يطعها، فيكون جزاؤه السجن، فدعا ربه وناجاه أنه يفضل السجن عن هذه الفاحشة، فاستجاب ربه إليه وصرف عنه كيد النساء، وأدخله العزيز السجن منعا للفضيحة.

تخزين المحاصيل
دخل مع نبي الله يوسف السجن فتيان وكان أحدهم يعمل عند الملك، فرأى كل منهما رؤية وكان يوسف من معجزاته تفسير الرؤى، قال تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَ?لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي...)، «سورة يوسف: الآيات 36 - 37». وعندما خرج هذا الغلام من السجن وأخبر الملك حاشيته بالرؤيا التي رآها، (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى? سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، «سورة يوسف: الآية 43»، ولم يعرف أحد تأويل هذه الرؤيا، أخبر الفتى أنه يعلم من يستطيع تأويلها. ذهب ساقي الملك وقص عليه الرؤيا، فأخبره أن مصر ستمر بسبع سنين خير وتجود بالغلات، ثم يأتي بعدها سبع سنين عناء ولن تجود الأرض بشيء، وأفضل طريقة هي تخزين المحاصيل، ولما رجعوا إلى الملك بتعبير رؤياه عرف فضل يوسف وعلمه، فقال ائتوني به، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من امرأة العزيز، وأنه سجن ظلما وعدوانا: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى? رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)، «سورة يوسف: الآية 50».
فرجع رسول الملك من عند يوسف حاملاً رسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز، وقال لهن: ما شأنكن، فأجبن جميعاً وقلن: حاشا لله ما علمنا على يوسف من سوء، فهو شاب طاهر عفيف النفس حسن الخلق، ونهضت امرأة العزيز من وسط النسوة، وقالت: (... الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ...)، «سورة يوسف: الآية 51»، وإن يوسف صادق ولم يكذب.