دنيا

الطلبة المغتربون.. سفراء العادات والتقاليد

هناء الحمادي (أبوظبي)

أجمع الطلبة المغتربون أن الحنين والشوق يعتصر قلوبهم، فذكريات الأهل على مائدة الإفطار ما زالت تتراءى أمامهم ويشتد بهم الشوق لدرجة أن رمضان يتحول في بعض الأحيان إلى إحساس بالوجع، في الوقت ذاته يحاول المغتربون المحافظة على عاداتهم وحتى أطباقهم التي تعودوا عليها في الوطن، من القيام بكل الشعائر الدينية من صلاة تراويح وقراءة قرآن وتعبد، وبعضهم يحاول التغلب على الإحساس بالغربة في شهر رمضان، من خلال خلق جو رمضاني شبيه بذلك الذي اعتاده منذ زمن. فضلاً عن استذكار الدروس لأداء الامتحانات النهائية وتسليم مشاريع التخرج.
البعض يرى أنّ أكثر ما يؤلم في رمضان أن يكون الشخص وحيداً على مائدة الإفطار، بعيداً عن تجمعات الأهل وبرغم تواجد بعض الأصدقاء إلا أنّ رمضان يعني تجمع الأهل والالتقاء على مائدة واحدة، وهي أحاسيس يصعب تعويضها، بينما البعض الآخر تتوزع لديهم الأدوار بين طهي الأطباق الرمضانية وتجهيز مائدة الإفطار وبين من يقوم بتوزيعها على مائدة وتنظيف الصحون، ورغم أن شهر رمضان الكريم في الغربة يكون صعباً على المغترب، إلا أن الجميع يداً واحدة. لكن جل ما يفتقدونه هو تجمّع العائلة والأسرة.

شوق وحنين
وتتداخل مع شهر رمضان ذكريات زمن جميل، ومعها يتضاعف الإحساس بالحنين والشوق إلى الأسرة ومحيطها الدافئ، وهو واقع لا يغادر حال المغتربين أبداً، حيث اعتادوا ممارسة طقوس وعادات جميلة تربوا عليها، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بتجليات وروحانيات الشهر الفضيل.
لطيفة النعيمي، تخصص دكتوراه هندسة وعلوم النفط من جامعة هيرويت وات في بريطانيا اسكتلندا، ترى شهر الخير والبركة يكون صعباً على المغترب، ولا يخفف وطأة الشعور بالألم والحنين، سوى التقرب إلى الله تعالى بالعبادة والصلاة، فترتاح النفس وتطمئن في أيام مباركة.
وتقول «بصراحة لا شيء يضاهي قضاء رمضان إلا في الوطن، فتجمعات الأهل وحالة الاستنفار ما بين إعداد كل ما لذ وطلب من الأكلات وتسابق الوالدة في التفنن بإعداد الهريس والثريد والحلويات والمقبلات الرمضانية كفيلة أن تشعرني بهذا الفقد، تصف النعيمي شعورها للأيام الأولى من الشهر الفضيل رمضان.. وتقول «عندما يأتي رمضان وخصوصاً الأيام الأولى اشعر بضيقه وأحن إلى الأجواء الرمضانية في الوطن والشوارع المزينة ببهجة رمضان وصوت الأذان، وصلاة التراويح وفوالة أمي التي تتفن في تزيينها لاستقبال الضيوف بعد صلاة التراويح، أفتقد تلك الأجواء الرمضانية الجميلة، لكن في الوقت ذاته مهما شعرت بهذا الحنين إلا أن الكثير من الصديقات يخففن ذلك الشعور والشوق، مؤكدين أننا أسرة واحدة نجتمع على مائدة الإفطار وتبادل الحديث ومشاهدة المسلسلات العربية، ويكون هناك وقت لاستذكار الامتحانات النهائية.
الصيام في أسكتلندا يختلف كثيراً من ناحية التوقيت، وعن ذلك توضح «في الشهر الفضيل في بريطانيا يكون وقت الصيام طويلا جدا حوالي 19 ساعة صيام، والنهار طويلا مما يعطيني الفرصة لقضاء 80% من الوقت لإنجاز المشاريع البحثية، كما أن روتيني اليومي في شهر رمضان ثابت لا يتغير، حيث بعد الاستيقاظ من النوم الساعة العاشرة، تكون محطتي الثانية الذهاب إلى الجامعة ورغم برودة الأجواء هناك إلا أننا نواصل الصيام لساعات طويلة، وأداء الصلوات في الحرم الجامعي وما بين أوقات الصلاة يكون هناك متسع من الوقت لقراءة القرآن الكريم.
أما بالنسبة للأجواء الرمضانية، فأضافت «كل يوم نقوم بتحضير الأطباق الرمضانية بالمشاركة مع صديقاتي أمنة وسعيدة، نتعاون فيما بينا بالقيام بتوزيع الأدوار لتنهي رحلة المطبخ بإعداد أطباق رمضانية شهية وانتظار موعد الإفطار الذي يبدأ في الساعة 9 مساء».

إثبات الذات
شهر رمضان له طابع خاص يختلف عن باقي الشهور لما فيه من روحانيات مقدسة، وهو ما يترتب عليه وجود طقوس وعادات وتقاليد خاصة به، فمن المؤكد أنّ هذه الطقوس تختلف من مكان لآخر. وقضاء شهر رمضان بعيداً عن الوطن يختلف كثيراً عن قضائه في بريطانيا.
فيصل تهلك، سنة ثالثة تخصص هندسة طيران وفضاء من جامعة «ليدز» في بريطانيا يرى الصيام يختلف تماماً عن الوطن، فالتجمعات الأسرية والتواصل مع الأصدقاء والزيارات للأهل والأقارب يزداد في هذا الشهر، بينما في الغربة، فالوضع مختلف كلياً فقط الاستعداد للامتحانات والتفرغ لها بشكل تام، فيصبح الروتين مرتبطاً بساعات الدوام الدراسي لأخذ قسط من الراحة، ثمّ تخصيص وقت للعبادة وبعدها إنهاء الواجبات يبدأ التحضير للإفطار يعقبه تخصيص وقت للدراسة، ثم العبادة والنوم.
وأضاف تهلك «ساعات الصيام طويلة، وذلك بسبب طول النهار، كما أنّ معظم هذه الساعات يكون الشخص في الجامعة، مبيناً أنه بعد مرور 3 سنوات من الابتعاث لا يبالي إن كان قريباً أو بعيداً، لأنه في النهاية يقوم برفع اسم الدولة في مجاله وتخصصه، ورد الجميل للوطن يستحق كل هذا العناء.
ويتابع «تعلمت كطالب مبتعث في بريطانيا، وخاصة في شهر رمضان الكريم الاعتماد على النفس واثبات الذات، كما تعلمت فنون الطبخ لبعض الأطباق الرمضانية بمساعدة بقية الزملاء المبتعثين، فروح التعاون بيننا في رمضان متواصل الجميع يقوم بدوره، من إعداد السُفرة إلى الأطباق.. ورغم طول اليوم، فإن صلاة المغرب تقام في التاسعة والنصف مساءً، بينما ساعات الصيام تكون ما بين «20 - 21» ساعة، ورغم ذلك جميع الطلبة يواصلون صيامهم واستذكار امتحاناتهم والانتهاء من مشاريع البحوث. ويضيف «عندما يحين وقت السحور تكون وجبتي 7 تمرات عجوة.

وأشار إلى أن الروح الجماعية في شهر رمضان لا تتوقف، فبساعدة صديقه يقوم بطبخ الأكلات الرمضانية، بينما الآخرون تتوزع أدوارهم بين تجهيز المائدة، وغسيل الأطباق، الذي يمثل مشكلة كبيرة، يتهرب منها الجميع.

صوت الأذان
رمضان يجمع أفراد العائلة على سفرة الطعام، وعلى صوت الأذان الجميع يفطر، ولكم أن تتخيلوا أصناف وأنواع الطعام الذي يتم تحضيره بمزيج من الحب والحنان، هذا ما تشعر به هدى الخيال دكتوراه العلوم الإدارية ريادة الأعمال في السنة الرابعة بجامعة اكسيتر في المملكة المتحدة.. وتقول «كم هو جميل حين اكتشف أن الكثير من الأصناف أعدتها الوالدة لترضي جميع الرغبات، أو أن أجد طبقاً صغيراً أعدته أختي الصغيرة كتجربة أولى لها في عالم الطبخ، ناهيك عن الروح الجميلة التي تنتشر بين أفراد العائلة في هذا الشهر الجميل، أما شوق الحنين لصلاة التراويح، فهو عامل مختلف عالم روحاني آخر، يأخذني إلى حيث أجد السكينة والطمأنينة، فنجد الكل يحرص على إطالة الركوع والسجود والدعاء، فحديث الروح مع الله يخلق لك عالما من الراحة النفسية والسكينة.

بنوع من الشوق والحنين تفتقد الخيال تلك الأجواء الرمضانية، وكم تشتاق لتلك الليالي، وللمة العائلة فرمضان في الغربة مختلف جداً توجد فيه الروحانية الجميلة التي كانت تجدها مع عائلتها، فتجد نفسها تنهض من السرير وحدها وتذهب إلى المكتبة الجامعية لتبحث وتقرأ، ومن ثم تعود، وتجد الجميع حولها يأكل ويشرب وكأنه يوم كسائر أيام السنة.
وتضيف «لأنني طموحة، ولديَّ هدف أريد تحقيقه وهو الحصول على شهادة الدكتوراه وخدمة الوطن فإن كل شيء يهون، حيث اقضي يومي في رمضان بالذهاب إلى الجامعة واستذكار بعض الدروس ولا أنسى التوجه إلى «السوبر ماركت» لشراء مكونات الفطور التي أحتاجها، وفي الساعة السادسة بتوقيتنا أبدأ بتحضير الفطور، وتقريباً قبل أذان المغرب بنصف ساعة يكون الطعام قد تم تحضيره، وهنا استغل النصف ساعة في قراءة القرآن الكريم، لذلك يظل هذا الجدول شبه يومي.
وفي بعض الأيام تجد نفسها تتناول الفطور وحيدة، ولكن هناك أيام أو معظمها تلتقي فيها مع طالبات مبتعثات نفطر مع بعض، فكل طالبة تقوم بتحضير صنف من الطعام وتتبادل أطراف الحديث والضحكات، وتظل مع بعضهم إلى وقت السحور، حيث ساعات الفطار قليلة هنا في بريطانيا تقريباً من «4 - 5» ساعات تقضيها بين ضحك ولعب وأكل، ومشاهدة بعض البرامج التلفزيونية التي لا تذكر محتواها بسبب كثرة السوالف، إلى أن يحين موعد صلاة الفجر وبعد الصلاة الجميع يذهب إلى شقته لأخذ قسط من الراحة، قبل البدء في رحلة الاجتهاد في العلم والصيام.

مناوبة رمضانية
فاطمة الظاهري طبيبة أطفال تستكمل الزمالة في طب الأمراض المعدية عند الأطفال في مستشفى بوستن للأطفال التابع لجامعة هارفرد، وهي في السنة الأولى، أكملت 3 سنوات في تخصص طب الأطفال، لكن ما يزال الحنين إلى أجواء رمضان بين الأهل والصديقات شعوراً لا يفارقها طوال سنوات الدراسة.
الظاهري تشتد عليها الغربة في رمضان، لكنها أدركت في الوقت ذاته معنى التضحية برد الجميل للوطن، بأن تكون طالبة متفوقة ومتميزة في الوقت ذاته.
أكثر ما تفتقده الظاهري خارج الوطن الأجواء الروحانية خلال الشهر الفضيل، حيث تجد للصيام أثره في قلوب الناس، ولكن في الخارج تغيب مثل هذه القيم بسبب اختلاف الدين. فضلاً عن تبادل الأحاديث العامة وتفقد أحوال بعضنا بعضاً، ومناقشة قضايا عامة تهم الجميع، فتلك الذكريات الجميلة تبقى عالقة في الذهن مهما كان الواقع. وبينت أن الطلبة المغتربين يحاولون ممارسة ذات الطقوس في الوطن من إعداد الوجبات والتجمع على المائدة الرمضانية، لتبقى تلك الذكريات الرمضانية جميلة بعد التخرج.
وعن تجربتها قضاء رمضان خارج الوطن تقول: خلال السنوات الثلاث التي قضيتها في تخصص طب الأطفال في واشنطن كانت لدي مناوبات طوال الشهر الفضيل، حيث يكون الدوام 12 ساعة يومياً تبدأ من الساعة 6 فجراً ولغاية 6 مساءً، والصيام في الولايات المتحدة يمتد ما بين «17 - 18» ساعة تقول «كانت لدي مناوبات من 24 - 28 ساعة. لكن بفضل من الله وتوفيقه استطعت إكمال الصيام وفي الوقت ذاته متابعة وعلاج مرضاي في أفضل صورة ممكنة، مبينة «يعتقد الكثير من زملائي الأميركان انه من الصعب التركيز ذهنياً، خاصة في أمور الطب والعلاج عند الصيام، ولكن سبحان الله أؤمن بأن الصيام يعطينا كمسلمين ليس فقط قوة في الإيمان، ولكن قوة في الإرادة والعزم - بما فيه ما يتطلب القوة الذهنية في التركيز والتفكير عند علاج المرضى.