دنيا

الاستقامة.. فعل الطاعات وترك المنهيَّات

أحمد محمد (القاهرة)

غاية ما يتطلع إليه المسلم، أن تتضح له معالم الطريق إلى ربه، فتراه يبتهل إليه في صلاته أن يهديه الصراط المستقيم، كي يتخذه منهاجاً يسير عليه، وطريقاً يسلكه إلى ربه، حتى يظفر بالسعادة في الدنيا والآخرة، ومن هنا جاء الصحابي سفيان بن عبدالله، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليسأله عن هذا الشأن الجليل، فجاءته الإجابة من مشكاة النبوة بأوضح عبارة، وأوجز لفظ، قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: «قل آمنتُ بالله ثم استقم».
قال ابن رجب: الاستقامة هي سلوك الطريق المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيَّات كلها كذلك، وتعني التمسك بالدين كله، والثبات عليه، وأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب، والمعبر عنه.
ويقول ابن القيم، الاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء، تتعلق بالأقوال والأفعال، والأحوال والنيات، وقوعها لله وبالله، وعلى أمر الله، قال بعضهم كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالبك بالاستقامة، فهي للحال بمنزلة الروح من البدن، فكما أن البدن إذا خلا عن الروح فهو ميت، فكذلك إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد. وفي الاستقامة جماع الخير، وهي طريق النجاة، فلما كان شأنها عظيماً، أوصى بها وأرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الناس من يأتي بالإيمان اعتقاداً وقولاً وعملاً، لكنه يعوجُّ في طريقه، ويقصر في عمله، والاستقامة هي الثبات على طريق الحق، والاستمساك به، ولذا أمر الله عز وجل بها، ورتب عليها فضائل عدة.
وهذا الحديث على قلة ألفاظه، يضع منهجاً متكاملاً للمؤمنين، وتتضح معالمه ببيان قاعدته التي يرتكز عليها، وهي الإيمان، فهذا هو العنصر الذي يغير من سلوك الشخص وأهدافه، وبه يحيا القلب، ويقذف الله في روحه من أنوار هدايته، فيعيش آمناً مطمئناً، ينعم بالراحة والسعادة، فإذا ذاق الإنسان حلاوة الإيمان، وتمكنت جذوره في قلبه، استطاع أن يثبت على الحق، ويواصل المسير، حتى يلقى ربه وهو راض عنه، ثم إن ذلك الإيمان يثمر له العمل الصالح، فلا إيمان بلا عمل، ولهذا جاء في الحديث: «ثم استقم»، فالاستقامة ثمرة للإيمان الصادق.