الاقتصادي

الاقتصاد الأميركي في حاجة إلى استقطاب العاملين المهاجرين

تتوارد خلال الفترة الأخيرة أنباء تفيد بأن معدل المواليد يتباطأ في الولايات المتحدة بشكل كبير، حيث وصل عدد الأطفال المولودين في العام الماضي إلى أدنى مستوى له منذ 30 عاماً. يأتي ذلك في الوقت الذي تقول كل من مصايد الأسماك في ألاسكا، ومطاعم نيو هامبشاير، ومجهزي سرطان البحر في ولاية ميريلاند، إنها تعاني من نقص حاد في العاملين.
ويقول المزارعون إنهم يحتاجون إلى آلاف من العمال، كما تنتقل عدد من الصناعات إلى الخارج بسبب نقص العمالة. وفي الوقت ذاته هناك 6.6 مليون فرصة عمل في الولايات المتحدة، ما يعني أنه، لأول مرة في التاريخ، تتوافر وظيفة لكل شخص عاطل في البلاد.
في غضون ذلك، عطل مجلس النواب الأميركي جلساته يوم الجمعة الماضي لأن بعض النواب الجمهوريين يطالبون بالتصويت على مشروع قانون من شأنه خفض الهجرة القانونية، وليس الهجرة غير القانونية، كما قد يعتقد البعض. وإذا شعرت بشكل مريب هنا، فذلك قد يرجع لسبب أن مناقشة الهجرة لعام 2018 تبدو منفصلة عن الحقائق الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة.
هناك حالة جيدة مفادها أن اقتصاد أميركا المتنامي والمزدهر لم يكن بحاجة إلى عمالة مهاجرة أكثر مما يحتاج إليه الآن. فقد انخفضت البطالة إلى 3.9%، وهذا أدنى مستوى لها منذ أكثر من 17 عاماً. فهناك وظائف شاغرة في أكثر من ثلث الشركات الصغيرة ولا يمكن أن تجد حلول لشواغرها، كما يقول الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة.
عندما قامت الحكومة الفيدرالية بتخصيص تأشيرات هذا العام للعاملين الأجانب ذوي المهارة المتواضعة في يناير الماضي، تلقت على الفور آلاف الطلبات، أكثر من عدد التأشيرات المطلوبة المعلنة والتي تقدر بـ600 ألف تأشيرة. كان الطلب مرتفعا جدا لدرجة انه تم الاختيار من بين المتقدمين عن طريق القرعة. والآن، من المرجح أن تقوم الحكومة بتوفير 15 ألف تأشيرة إضافية لهذا العام أيضاً للعاملين الأجانب ذوي المهارة المتدنية، على الرغم من أن الشركات ترغب في الحصول على آلاف إضافية.
البحث عن المزيد من العمال ذوي المهارات العالية هو أكثر إلحاحاً. ويقول الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة إن 22% من أصحاب الشركات الصغيرة يرون أن العثور على عمال مؤهلين هو مشكلتهم الأكثر أهمية وإلحاحاً في الوقت الراهن، أكثر من أولئك الذين يشكون من الضرائب أو اللوائح التنظيمية.
هذه هي الصورة اذا تم حسابها على المدى القصير. أما على المدى البعيد تشير الاتجاهات الديموغرافية إلى أن الهجرة يمكن أن تكون فوائدها اكثر من الضرر الذي قد تسببه.
وأفاد المركز الوطني للإحصاءات الصحية الأسبوع الماضي أن معدل المواليد متدن ليسجل رقما قياسيا خلال الفترة الحالية. ويبلغ معدل الخصوبة للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و44 عاماً في الولايات المتحدة 60.2 مولود لكل 1000 امرأة، وهو أقل معدل منذ أن بدأت الحكومة في تتبع هذا المعدل منذ أكثر من قرن.
ويعني انخفاض معدل المواليد أنه في غياب الهجرة، فإن سكان الولايات الأميركية الذين يطعنون في العمر لا يأتي شباب اصغر سناً ليتولوا الأعمال التي كانوا ينجزونها. وهذا هو ما يحدث عندما يعيش الأميركيون لفترة أطول، وهناك عدد أقل من المواليد الجدد لملئ مكان العمل من بعدهم.
في الواقع، يعتقد علماء الديموغرافيا أنه في العقود الثلاثة المقبلة، سوف تتفوق حصة الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فما فوق على حصة الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 عاماً وأصغر سنا مما يعد نقطة تجاوز تاريخية للخطوط الديموغرافية.
ضع كل ذلك معاً، وأضفه إلى دولة لا تعرف حالياً كيف تتعامل مع المهاجرين وهي في الوقت ذاته تحتاج إليهم فعلياً. ومع ذلك، فإن المناخ أكثر عدائية تجاه الهجرة إلى الولايات المتحدة من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة.
إن نقطة الصفر لهذه الحالة الشاذة هي مجلس النواب الأميركي، الذي يخوض صراعاً مريراً حول تشريعات الهجرة. هذا النضال هو في المقام الأول داخل الحزب الجمهوري. لفترة طويلة، ولأسباب فلسفية وكذلك اقتصادية على حد سواء، اتخذ الحزب الجمهوري وجهة نظر مواتية عموما تجاه الهجرة باعتبارها وسيلة لحقن شريان الحياة الجديد دائما في مجرى الدم الأميركي. الآن، مع تولي الرئيس دونالد ترامب فالوضع يهيمن عليه بشكل متزايد وجهة نظر مظلمة بشكل واضح تجاه الهجرة.
في مجلس النواب، تقف مجموعة من الجمهوريين المعتدلين على جانب واحد. يريدون التصويت على قانون يمنح وضعاً قانونياً دائماً للمهاجرين الشباب الذين دخلوا البلاد بشكل غير قانوني. وعلى الجانب الآخر، يقف المحافظون الذين يدعمون بدلاً من ذلك إجراءً أكثر صرامةً في مجال الهجرة. ومن شأن ذلك أن يمنح الحالمين وضعاً قانونياً ليس دائماً بل مؤقتاً لمدة ثلاث سنوات قابل للتجديد.
الأهم من ذلك أن المتشددين في مجلس النواب راغبون في الوصول إلى أبعد من ذلك بكثير. فهم يسعون إلى إقرار مجموعة من الإجراءات للقضاء على الهجرة غير الشرعية، وهذا قد يبدو منطقياً، لكنهم في الوقت ذاته يقترحون سلسلة من الخطوات التي من شأنها الحد من الهجرة القانونية.
ويقول مقدمو مشروع القانون إن التخفيض سيشمل منع دخول 260 ألف مهاجر كل عام أي بنسبة 25%. وسيعد ذلك في حالة إقراره أكبر انخفاض مقترح من الدوائر السياسية فيما يتعلق بالهجرة القانونية منذ أعمال العنف ذات الدوافع العنصرية التي اندلعت في أرجاء البلاد في عشرينيات القرن الماضي.
ويقول المعارضون للهجرة إن فرض قيود على الهجرة سيجبر أرباب العمل على رفع الأجور للأميركيين. ومع ذلك، يبدو أيضاً أن مزاج مكافحة الهجرة متجذّر في الثقافة الأميركية، وهو شعور يمكن فهمه لدى العديد من الأميركيين بأن الهجرة تفقد البلاد تقاليدها.

* الكاتب: جيرالد سيب