الاقتصادي

بودرة «داعش»!

«يريدون وقف الإرهاب.. حسناً، أسهل طريقة هي أن توقف المشاركة فيه»
ناعوم تشوميسكي، كاتب ومفكر أميركي

للوهلة الأولى، مثيرة هي تلك الوثائق التي أظهرت أن عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي، يجمعون ملايين الدولارات سنوياً، ليس من السرقات والإتاوات والتهريب والمخدرات والاتجار بالبشر فقط، بل من التعدين غير القانوني لمادة «التالك» أو البودرة التي تصل إلى أسواق الولايات المتحدة وأوروبا! وهذه المادة تستخدم في منتجات تتراوح بين الطلاء وبودرة الأطفال، وتدخل تقريباً في عشرين منتجاً.
للوهلة الثانية، الأمر ليس مثيراً حقاً، إذا ما عرفنا أن الأموال الناتجة عن عمليات غسل الأموال، تصل سنوياً إلى 2 تريليون دولار حول العالم، أو ما يوازي 5% من الناتج المحلي العالمي. «داعش» يبيع «منتجه» هذا بأقل من التكلفة الحقيقية، وهو بذلك يضرب السوق الشرعية المحلية، ولاسيما في البلدان النامية، ويؤمن الأموال اللازمة لمواصلة جرائمه هنا وهناك.
الأرقام هذه، رسمية من وزارة التعدين الأفغانية، وهي تختص بـ «داعش» الأفغاني، وتطلق بوق إنذار صارخ، لأن هذا التنظيم الإرهابي يدخل شيئاً فشيئاً في نسيج الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً بعدما تلقى ضربات عبر العقوبات الدولية التي تفرض عليه بين الحين والآخر، وهي عقوبات متجددة.
لكنها في النهاية لم تحقق الغاية الرئيسية منها، أي وقف حصوله على الأموال.
صحيح أن العقوبات ضيقت المسارات، لكنها لم تغلقها تماماً، لأسباب عديدة، في مقدمتها أن هذا التنظيم يتقدم من حيث المنهج في «ابتكار» الأموال، على كل الأدوات الاقتصادية التي تستهدفه. وبينما تتصدر البلدان الغربية عملية «إنتاج» العقوبات، فإنها -للمفارقة- تستورد بصورة أو بأخرى منتجات «داعش» المشينة.
المصيبة لا تتوقف عند هذا الحد، فعمليات التعدين التي يقوم بها التنظيم الإرهابي، تشمل (فيما تشمل) الأحجار الكريمة والمعادن الأخرى، وكلها تصل إلى المستورد الأميركي والأوروبي، بصرف النظر عما إذا كان هذا المستورد يعلم بجهة المصدر أم لا. وغالباً لا يعلم بهذه الجهة، لأن العملية برمتها تمر بقنوات معقدة، تجاوزت في أحيان كثيرة قدرات السلطات الغربية على تتبعها وبالتالي إيقافها، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا النشاط يتم على مستويات تجارية مرتفعة القيمة والحجم في آن معاً. وإذا كان هذا هو المستوى التجاري لـ «داعش الأفغاني»، علينا أن نتخيل المستوى المقابل لـ «الدواعش» الآخرين في عدد من بلدان المنطقة، حيث شمل حتى النفط والمنتجات الزراعية المباشرة! بل وبعض المعدات الثقيلة، والمركبات عبر التصدير وإعادة التصدير!
سيبقى الإرهابيون ناشطين (بصرف النظر عن مستوى النشاط) طالما أنهم يستطيعون تأمين الإيرادات اللازمة لأعمالهم الإجرامية. ولا يمكن إيقاف هذه العوائد المائية، إلا بالتعاون الدولي المتكامل المفتوح، والأهم من ذلك، بابتكار أدوات تكشف هذه التجارة المشينة قبل أن تصل إلى أسواق الدول التي تحاربها على وجه الخصوص. هذه المنظمات الإجرامية لن تنتهي إذا لم يتم قطع «الوريد» المالي لها، وهي قادرة (على الأقل حالياً) على إنتاج أموال قذرة لتمويل أعمالها الأقذر.