دنيا

حرم سفير السودان لـ «الاتحاد»: أهل الكرم يقطعون طريق المارة لدعوتهم إلى الإفطار

 السفير السوداني وحرمه خلال  مائدة الإفطار

السفير السوداني وحرمه خلال مائدة الإفطار

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تزور «الاتحاد» بيوت عقيلات، سفراء دول إسلامية، مقيمات في الإمارات، لتستكشف عادات وتقاليد الشعوب خلال الشهر الفضيل الذي يجمع ويوحد بين المسلمين في شتى أرجاء العالم، مهما تباعدت المسافات والقارات. لكن بالطبع، يضع كل مجتمع بصماته الفريدة وفقاً لتراثه وبيئته، على مختلف طقوس شهر الصوم، بدءاً من استطلاع الهلال واستقبال الشهر، حتى الاحتفال بعيد الفطر. كل هذا ترصده «الاتحاد» على مدار الشهر الفضيل، عبر حواراتها اليومية مع قرينات السفراء.
تختلف العادات والتقاليد الرمضانية في الدول العربية والإسلامية، فلكل دولة طقوسها لاستقبال الشهر الفضيل والاحتفاء به، ويتميز رمضان في كل دولة من هذه الدول بعادات وطقوس متفردة قد لا نجد لها مثيلاً في بقية الدول باستثناء الجانب الروحاني الذي يكاد يتوحد في جميع هذه الدول، ففي جمهورية السودان مثلاً، نجد المسلمين في هذا البلد يتلهفون لقدوم الشهر الكريم، ويستعدون قبل حلوله بشراء مؤونة رمضان، ويجهزون البيوت ويخيطون الملابس.
ومن أهم العادات التي يتفرد بها السودانيون، حسبما تقول سارة عبد الله عباس، حرم سفير جمهورية السودان المعتمد في الإمارات، محمد أمين الكارب، في حوارها لـ«الاتحاد»: الإفطار الجماعي وإفطار الناس في المساجد وفي الساحات التي تتوسّط الأحياء، وقطع الطرقات على المارة وإجبارهم على تناول الإفطار وقت المغرب، قبل أن يواصلوا مسيرهم، فقبل الغروب بدقائق تجد الناس يتحلَّقون في جماعات خلال لحظات الإفطار لاصطياد المارة ودعوتهم لتناول الإفطار معهم، وتشهد الطرقات الرئيسية والشوارع العامة حركة دؤوبة من المحسنين خلال الشهر الكريم، حيث نجد الرجال يقفون في الشوارع ويعملون على إيقاف الحافلات والسيارات ودعوتهم للإفطار.

مائدة عامرة
وعلى مستوى المائدة، من أشهر المشروبات الرمضانية السودانية شراب شهير يسمّى «حلو مر» وهو شراب يتفرد به السودان، وهو يصنع من عدة مواد أهمها الذرة والتوابل وغيرها، وتحتوي المائدة السودانية على بعض الأكلات المقلية والحلويات و«العصيدة» والسلطات، وأنواع عديدة من المشروبات المحلية والعصائر المعروفة، فضلاً عن «سلطة الروب» والشوربة وغيرها من مكوّنات المائدة الرمضانية العامرة، ولا تقتصر المائدة الرمضانية السودانية على الأطباق الشعبية السودانية، حيث أصبحت تشتمل على الكثير من المأكولات الحديثة المنقولة من الشعوب العربية والعالمية، مثل السلطات بأنواع مختلفة وطريقة الطهي الحديثة للأطباق السودانية، وأبناء السودان يشربون مما يزرعون، ومن ذلك الكركدي والتبلدي والتمر هندي.
وتضيف حرم السفير السوداني، أن السودان يعتبر من حيث البناء الجغرافي شبه قارة، ليس من حيث المساحة فقط، ولكن كذلك من حيث التنوع والتعدد في الثقافات والعادات والتقاليد، ولكن مع هذا التعدد يوجد تجانس وتناغم بين القبائل المختلفة في طقوسها وأعرافها، المستمدة من ديننا الحنيف، وتتميز المرأة السودانية بلباس الثوب السوداني الأصيل ويعتبر لباساً شرعياً إذا تم ارتداؤه بصورة صحيحة، أما الزي التقليدي للرجل السوداني فهو الجلابية، ورغم أن كثيراً من الشعوب يلبسونها، فإن الجلابية السودانية تختلف من حيث تصميمها وكذلك بمكملاتها مثل العمامة والملفحة أو الشال.

قدور ضخمة
وتوضح سارة عبد الله: للشهر الفضيل مشروبات خاصة ففي بداية شهر شوال تبدأ الأسر تجهيز المشروبات المميزة التي تتكون من الذرة والبهارات السودانية مثل عصير «الآبري الأحمر» وهو يجهز في البيت من قبل سيدات متخصصات، حيث تُغسل حبوب الذرة، جيداً وتترك حتى تجف وتُنبت، ثم تُطحن بعد ذلك، ويُضاف إليها أنواع بهارات وأعشاب وعصائر كعصير التمر هندي، وتُجهز في قدور ضخمة، حتى تصبح عجيناً انسيابياً، وتترك لمدة تتراوح ما بين 3 إلى 4 أيام حتى يتجانس الخليط، ثم في اليوم الخامس يخبز على الصاج، «عواسة الآبري» وتُطوى في شكل مربعات كقمر الدين، ويترك حتى يصبح جافاً ويخزن وله رائحة مميزة جداً، وكذلك يصنع عصير الآبري الأبيض من دقيق الذرة المقشور، والدقيق العادي والهبهان والحلبة والغرنجال وحبة البركة وعرق الزنجبيل للنكهة، ويختلف تماماً عن الآبري الأحمر في الشكل والمذاق، كما يُجهز فطير الرقاق من البيض و«الكاسترد» والنشا، ويستعمل مع الحليب للسحور فقط وهو يشبه «الكورن فليكس».

أطباق رمضانية
وتواصل حديثها عن الطقوس الرمضانية، قائلة: نظراً لاتساع بلدنا الحبيب، نجد اختلافاً بسيطاً في المائدة الرمضانية في الوسط عن الشمال والجنوب والشرق والغرب، إلا أن الغالب هو العصيدة والكسرة، وتتكون كل منهما من الدقيق مع الاختلاف في طريقة التجهيز، ويضاف إليهما الملاح «صالونة سودانية» بأنواع مختلفة، وهناك أنواع مختلفة من الملاح على حسب الرغبة، ملاح أحمر «التقلية» يصنع من البصلة المحمرة واللحمة المفرومة المجففة وعصير الطماطم وتضاف له «الويكة» بودرة البامية المجففة، ويتم إعداد الملاح الأبيض «ملاح الروب» من الزبادي فقط ودقيق النشا، وهناك ملاح النعيمية وهي خليط بين الاثنين، والقراصة تصنع من الدقيق مع الماء والخميرة وتضاف إليها الدمعة صالونة اللحمة أو الدجاج، ومن الأطباق الرئيسة الفول والطعمية والبليلة وهو حمص أو بقوليات مسلوقة، ولا تختلف أصناف مائدة العشاء الرمضاني كثيراً عن الأصناف في الشهور العادية، ولكن يكون الطبق الرئيسي عند أغلب الأسر في السودان الكسرة مع الملاح، بالإضافة للفول والطعمية، أما السحور فمن أساسياته الرقاق أو الفطيرة بالحليب والبعض يفضل شراب الآبري الأبيض.

شعب الكرم
ويتميز الشعب السوداني بالكرم والترابط الأسري، خاصة في الشهر الفضيل، حيث تكثر الدعوات على مائدة الإفطار، وعن ذلك تقول: تخصص العائلات يوماً للإفطار مع بعضها، بالإضافة لبعض الأحياء السكنية التي يتم فيها الإفطار الجماعي في الساحات، إضافة للإفطار الجماعي الذي يتفق عليه بعض الأصدقاء أو بعض المؤسسات، ويعتبر الشعب السوداني عائلة كبيرة، حيث نجد من المألوف أن يقوم أهالي المناطق التي تمر بها المواصلات بالتسابق لتوزيع الإفطار ودعوة المسافرين للإفطار.

إفطار الصائمين
ومن عادات الكرم المتأصلة، قطع الطريق على المارة وإجبارهم على تناول الإفطار، حيث يحرص السودانيون خلال شهر رمضان، ويجتهد السودانيون في ممارستهم هذه العادة وللحصول على ضيوف لموائدهم، إلى حد قطع الطريق على السيارات التي تمر بجوار أحيائهم أو قراهم وتوقيفها بكل السبل رغم ما في ذلك من مخاطر محتملة.
وتذكر أن أحد المارة الذين نزلوا ضيوفاً على إحدى القرى شمال الخرطوم، أنه تم إيقافهم من قبل أكثر من عشرين مجموعة وهم في طريقهم إلى قريتهم القريبة، وفي النهاية تغلب عليهم الأهالي وأجبروهم على تناول إفطارهم على الطريق، فالكل يتسابق لعمل الخير خلال هذا الشهر الفضيل، كما أن هناك «الحقيبة الرمضانية» لتزويد الأسر باحتياجات رمضان، ويساهم السودانيون من جميع أنحاء العالم في هذه الحقيبة التي تُرسل وتصل كل محتاج، ومن المظاهر الخاصة برمضان أيضاً صلاة الجماعة داخل الأحياء وقيام الليل، وعقب الإفطار يسارع الجميع حتى الأطفال لأداء صلاة التراويح وتوزيع الصدقات. وبالنسبة لطقوس السودانيين في ليلة القدر تقول: «يحرص الجميع على قيام الليل وصلاة التهجد والاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان وتشجيع وتعويد الأطفال على هذه العبادات.

الزي التقليدي
وعن حضور الزي التقليدي، قالت حرم السفير السوداني: «لا تتخلى المرأة ولا الرجل عن الزي التقليدي في ليالي رمضان والجلسات العائلية، فهو شعار الوطنية، ورغم صرعات الموضة ورغم ارتداء المرأة السودانية للعباءة، فلا يزال الثوب السوداني يحتل مكانة هامة، فهي تعتبره عنواناً لأصالتها، ورغم تعدد الثقافات والأعراق والإثنيات، لكن يبقى الثوب والجلابية هما النقطة التي يلتقي عندها أبناء السودان.

تبادل الزيارات
ولا يقتصر التضامن والتكافل بين السودانيين داخل الوطن فقط، بل هي ميزة تشملهم أينما تواجدوا، إلى ذلك تقول حرم السفير السوداني في الإمارات: نحرص في رمضان على جمع الجالية السودانية في بيت السفير، فهو مجهز لاستقبال السودانيين من كافة أنحاء الإمارات، ونقيم إفطاراً جماعياً في النادي السوداني سنوياً، ولنا دائماً في العيد لقاء يحرص السودانيون على حضوره، وكل أفراد الجالية حريصة على دعوة السفير وأسرة السفارة، أي أننا نتبادل الدعوات خلال الشهر الفضيل، أما بالنسبة لزوجات السفراء فنتبادل الدعوات، ونتبادل إرسال الأطباق، ونحرص على تعريفهم بالمائدة السودانية».


الإمارات عنوان للخير
يحتم العمل الدبلوماسي على السفراء وأسرهم قضاء رمضان في مختلف الدول العربية والإسلامية واختيار الكثير جانباً من عادات وتقاليد هذه الدول، حيث قالت سارة عبدالله: من الدول التي قضينا فيها رمضان سويسرا وإثيوبيا والسعودية وليبيا ومالطا، ويعتبر رمضان هذه السنة الثالث في الإمارات، وحسب تجربتي فرمضان في جميع الدول السابقة متشابه ماعدا في سويسرا، وفي الإمارات رمضان يختلف فهو عنوان للخير والكرم، من ترتيب المساجد وإقامة الخيام على الساحات الكبيرة للإفطار الجماعي، حيث تزداد الخيرات

الأطفال أكثر انفتاحاً على العادات والتقاليد
عن أثر التنقل على الأطفال تقول سارة عبدالله إن سلبياته أقل من إيجابياته، بينما تكمن سلبياته في شعور بعض الأطفال بعدم الاستقرار وصعوبة التأقلم عند كل انتقال جديد، ولكن تبقى إيجابياته، حيث يكون الأطفال أكثر انفتاحا على عادات وتقاليد الدول المختلفة ولهم القدرة على تكوين صداقات جديدة في كل بلد يزورونه، مما يكسبهم ثقافة ومعرفة. وأضافت: في كل بلد نزوره متمسكون بعادات وتقاليد السودان في البيت وفي تعاملنا مع المجتمع، كما نحرص على زيارة السودان الحبيب بصورة دائمة، ونشجع أبناءنا على المشاركة الفاعلة في كل مناسبات الأسرة والأهل في السودان حتى يتعرفوا ويمارسوا العادات والتقاليد السودانية، وكذلك المشاركة وتمثيل السودان في الفعاليات المدرسية والجامعية والمعارض، وأشجّع أبنائي منذ الصغر على الصلاة والصيام، وأعلمهم الدروس الدينية واللغة العربية في البيت، لأن تعليمهم في المدارس الأجنبية يبعدهم عن اللغة العربية.