الإمارات

الإمارات تتبنى استراتيجية من 3 محاور لمكافحة الإرهاب

مقصود كروز خلال حواره مع «الاتحاد»  (تصوير وليد أبو حمزة)

مقصود كروز خلال حواره مع «الاتحاد» (تصوير وليد أبو حمزة)

جمعة النعيمي (أبوظبي)

أوضح مقصود كروز، المدير التنفيذي للمركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف «مركز هداية»، أن تعزيز مهارات «التفكير النقدي» لتفكيك مقولات الجماعات الإرهابية يعد العلاج الأنجع للتطرف، وقال إن الإمارات تتبنى استراتيجية من 3 محاور لمكافحة الإرهاب والتطرف، مؤكداً أن هذه الظاهرة متعددة الأبعاد، وتتطلب منهجية ذات ركائز متنوعة تشمل الجانب الإعلامي، والجانب السيكولوجي، والجانب الاجتماعي، والجانب التربوي، والجانب الاقتصادي، والجانب السياسي، والجانب التاريخي.
وتحدث المدير التنفيذي للمركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف، في حوار مع «الاتحاد» عن مفهوم التطرف وعلاقته بالأفكار الراديكالية، ومناهج علاج هذه الظاهرة، وضرورة العمل على تطوير البرامج الوقائية للتحصين ضد الأفكار الراديكالية التي تقود إلى التطرف.
وقال إن التطرف فكر، والإرهاب سلوك، وإن أشكال التطرف، سواءً «التطرف اليميني»، أو «التطرف اليساري، إنما يبدأ بفكرة.
وهذه الفكرة تؤدي إلى استجابة انفعالية يترتب عليها السلوك العنيف، مشيراً إلى أن التطرف يأخذ أشكالاً عدة ولا دين له ولا لون ولا عرق ولا جغرافيا، وإنما هو آفة تصيب كافة المجتمعات البشرية، مما يتطلب جهوداً جماعية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

المناهج العلاجية
وقال إن التطرف العنيف، إنما يعبر عن مستوىً متقدم من التطرف، والذي يفضي إلى تبرير استخدام العنف ضد الأبرياء.
وأوضح أن هناك عدداً من المناهج العلاجية على المستوى الوقائي بهدف التحصين الفكري وتعزيز المناعة النفسية، لافتاً إلى أن أول هذه المناهج هو المنهج الوقائي: ويقصد به التأكيد على أهمية دور الوقاية من ظاهرة التطرف العنيف، والعمل على علاج جذوره من خلال الشراكة المجتمعية وتوظيف المفاهيم النفسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والاقتصادية.
ويليه المنهج البحثي والتحليلي: ويقصد به القيام بالدراسات والأبحاث بغرض تحليل الجماعات المتطرفة ودراستها من خلال فهم أدواتها وكيفية إنجازها.
وثالثاً، هو المنهج السياسي والدبلوماسي: ويقصد به وضع الأطر السياسية والدبلوماسية الملائمة للحد من نشاطات الجماعات المتطرفة، عبر التعاون الدولي والعمل المشترك على المستويات السياسية والدبلوماسية.
ورابعاً المنهج الأمني المجتمعي: إن منع جرائم التطرف العنيف هو في الأساس من اختصاص رجال الأمن والقانون، فالهدف الرئيس من عملية مكافحة جرائم التطرف العنيف هو منع وقوعها أصلاً، وتجنيب المجتمع ويلاتها المدمرة والعنيفة وآثارها العميقة البعيدة الأمد من خلال المعالجة الأمنية والقانونية، بهدف تحقيق مبدأ «الأمن المجتمعي». ولفت إلى أن للتطرف أنواعاً متعددة ومستويات مختلفة ودرجات متفاوتة.
وأوضح كروز أن التطرف ظاهرة متعددة الأبعاد والتي تشمل على سبيل المثال لا الحصر، الأبعاد النفسية، والأبعاد الاجتماعية، والأبعاد السياسية، والأبعاد الأيديولوجية، والأبعاد الدينية، والأبعاد الاقتصادية، والأبعاد التاريخية.

التطرّف وعلاقته بالأفكار الراديكالية
وأوضح المدير التنفيذي لمركز هداية، أن الأفكار الراديكالية تساهم بشكل مباشر في تشكيل الأرضية التي ينطلق منها التطرف والذي يقود إلى الإرهاب.
ولذلك فإنه من الضروري العمل على تطوير البرامج الوقائية للتحصين ضد الأفكار الراديكالية، والتي تتسم بكونها أحادية وإقصائية ومحدودة.
فإن التطرف يعتبر التحدي الأخطر في المرحلة الراهنة ولسنوات عديدة قادمة، والذي يتطلب إيجاد رؤية ثاقبة واستراتيجية شاملة ومؤثرة حول كيفية التصدي لهذا التحدي، من خلال تبني تصور شامل للتصدي لكافة هذه الظواهر باعتبارها «متعددة الأبعاد» وتتطلب منهجية ذات ركائز متعددة تشمل الجانب الإعلامي، والجانب السيكولوجي، والجانب الاجتماعي، والجانب التربوي، والجانب الاقتصادي، والجانب السياسي، والجانب التاريخي.
وأكد أن العلاج الأنجع لكافة أشكال التطرف هو تعزيز مهارات «التفكير النقدي» والذي يقوم على تفكيك مقولات الجماعات المتطرفة، ويعرضها على مبضع النقد للتحقق من صحة أطروحاتها من عدمها.
ومن هنا، فإن التعليم يلعب دوراً محورياً في الوقاية من التطرف وتعزيز المناعة الفكرية ضد كافة أشكال الأفكار المنحرفة والهدامة.
كما أن الأسرة لها دور جوهري في حماية أبنائنا وبناتنا من الوقوع في براثن التطرف من خلال تعزيز الحوار والمناقشة، واستيعاب احتياجات الجيل الشاب، واحتواء صراعاته الفكرية والانفعالية والسلوكية، ومساعدته للمضي قدماً نحو مستقبل مشرق وواعد.

إبراز جيل من القادة الشباب
ولفت إلى الحاجة الملحة لإبراز جيل من القادة الشباب والذين يستطيعون تحمل مسؤوليات الوطن، ما يجعل من مفهوم «السلوك القيادي» مسألة على درجة عالية من الأهمية.
وأوضح أن عملية صنع جيل قيادي قادر على التخطيط الاستراتيجي بحاجة إلى بذل الكثير من الجهد والمزيد من الدراسة لإعادة صياغة المناهج التدريبية والتأهيلية الحالية، وعلى النحو التي نستطيع من خلاله تأهيل جيل جديد من القادة الشباب من أصحاب الطموح والكفاءة، ليستطيعوا أن يحملوا عبء العمل الوطني والبناء المجتمعي، والعمل على تعزيز مفهوم «الهوية الوطنية»، ومواجهة كافة التحديات الراهنة.
وأوضح أن القيادات المستقبلية ستتحمل عبء مواجهة التحديات المستقبلية والتي سيترتب عليها اتخاذ القرار المصيري، والذي يتعلق في أن نكون، أو لا نكون.
وأشار كروز إلى أنه لم تعد هناك مساحة للمناورة، أو لتجاهل الواقع الذي تعيشه المنطقة، فإما أن نستمر في النهج الذي خطته القيادة الرشيدة نحو دولة حضارية ومتمدنة ذات مستقبل واعد، وإما أن نقع في براثن الإرهاب والتطرف ونكون بذلك قد تأخرنا عن اللحاق بركب الحضارة.
ومن هذا المنطلق، فإنه من المهم أن تتم مواجهة التطرف من خلال تبني منهج شمولي يقوم على عدد من التصورات العملية، وذلك من خلال عدد من الخطوات التي تضمن: دعم السياسات الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية، حيث من المهم دعم وتطوير السياسات الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية في توجيه مبادرات مكافحة التطرف والإرهاب، وضمان تنفيذ تدابير بناء القدرات على المدى الطويل وعلى الصعيدين المحلي والوطني.
وتطوير البرامج التعليمية والتربوية؛ إذ يتوجب على واضعي السياسات والممارسين والتربويين المهتمين بتنفيذ برامج مكافحة التطرف والإرهاب في المؤسسات التعليمية، القيام بتكثيف الجهود لمواجهة الأسس الفكرية والسياقات المعرفية، ولاسيما للأفكار المتطرفة من خلال وضع البرامج والسياسات الفعالة.
وأوضح أن هناك اتفاقاً بين المتخصصين على أهمية تنمية المهارات الحياتية ومهارات التفكير النقدي والإبداعي والابتكاري لدى الطلاب في مراحل التعليم المبكرة، وذلك من أجل تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على التعبير عن آرائهم، وقدرتهم على ممارسة التفكير المنهجي، والقيام بمناقشة مختلف الأفكار وغربلتها وتقييمها.
إلى جانب الدور الأساسي للأسرة والمجتمعات المحلية، كون من المهم التواصل مع الأسر والمجتمعات المحلية وإشراكها في البرامج المستقبلية، من خلال تعزيز دور المنظومة القيمية والتوجيهية والتوعوية حول مخاطر التطرف، وتفعيل دور الشباب.
وأكد أهمية تفعيل دور الشباب والاستفادة من الأنشطة الرياضية والدرامية والمسرحية والفنية، كطرق ووسائل فعالة للتواصل مع الشباب، ومعالجة التحديات ذات الصلة ببعض القضايا، مثل الصحة، والسلامة، والعنف، والصراعات، والتطرف.
وتتيح هذه الأنشطة المجال لتشجيع الإبداع وتنمية مهارات التفكير النقدي وذلك من خلال وضع الاستراتيجيات وتعزيز روح العمل والتعاون الجماعي، هذا إضافةً إلى تعزيز المعرفة الثقافية من أجل التصدي لخطاب التطرف.

المحور التشريعي والقانوني
أصدرت دولة الإمارات القوانين والتشريعات المعنية بمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ومنها المرسوم بقانون اتحادي رقم (1) لسنة (2004) بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية، والذي أصدره المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقانون اتحادي رقم (39) لسنة 2006 في شأن التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والقانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2013 في شأن إنشاء «مركز هداية الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف»، والذي استضافته الدولة في ديسمبر 2012م بإمارة أبوظبي، والذي يُعد أول «مؤسسة بحثية وتطبيقية» مستقلة لمكافحة التطرف العنيف بكافة أشكاله ومظاهره، وذلك من خلال تقديم أنشطة الحوار والتدريب والبحوث، والذي تأسس من خلال «المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب»، والذي تترأس الدولة من خلاله بالمشاركة مع المملكة المتحدة «جماعة عمل مكافحة التطرف العنيف»، ونبذ خطاب الكراهية، بالإضافة إلى القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية والذي يتبنى رؤية شاملة لمفهوم الإرهاب، والتي تصب بجميع عناصرها في باب حماية حقوق الأفراد وسلامتهم، وتحقيق الأمن والاستقرار والتعايش السلمي في المجتمع.
وكان آخر التدابير التشريعية والقانونية الهادفة إلى تعزيز مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، إصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، مرسوماً بقانون يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة كافة أشكال التمييز، ونبذ خطاب الكراهية، وتجريم التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الاثني، ومكافحة استغلال الدين في تكفير الأفراد والجماعات، بعقوبات رادعة للأفراد والجمعيات والفعاليات الداعية لازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية.

استراتيجية مكافحة
وقال كروز: لم تدخر دولة الإمارات جهداً في مكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله ومظاهره، وذلك منذ تأسيسها في عام 1971م، وكانت من أوائل الدول التي اعتمدت استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف من خلال ثلاثة محاور رئيسية، هي: المحور القانوني والتشريعي، والمحور الديني والثقافي، والمحور الإعلامي والاجتماعي.

المحور الديني والثقافي
ويتمثل المحور الثاني في استراتيجية الإمارات لمكافحة التطرف في الجانب الديني والثقافي، حيث قامت الدولة من خلال الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بغرس قيم الوسطية والاعتدال والتعايش والتسامح في المجتمع وتعزيزها، باعتبارها حائط الصدّ الرئيسي في مواجهة التطرف الذي يتربص بالمجتمعات العربية والإسلامية، والإسهام في تنمية الوعي الديني والثقافة الإسلامية من خلال دعم الجهود البنّاءة، التي تسير في اتجاهات عدة، لعل أبرزها: دعم جهود إصلاح الخطاب الديني، والعودة إلى الصورة السمحة للدين الإسلامي الحنيف على أساس من شأنه التصدي لنزعات التطرف والتشدد التي يحاول البعض فرضها على الخطاب الديني.
وأضاف: تحرص الإمارات على دعم المؤسسات الدينية الوسطية في العالمين العربي والإسلامي، وفي مقدمتها «الأزهر الشريف». وترعى الهيئة برنامج «تدريب الأئمة الأفغان»، والذي تخرج فيه عدة دفعات، ويتم بالتعاون مع دار زايد للثقافة الإسلامية ومركز هداية الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف،
كما تستضيف الإمارات «مجلس الحكماء المسلمين»، والذي تأسس في 19 يوليو 2014م، واتخاذ العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً له، ويسعى إلى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وترسيخ قيم ومبادئ الدين الإسلامي الحقيقية السمحة البعيدة كل البعد عن الغلو والتطرف والعنف، وذلك من خلال جمع من علماء الأمة الإسلامية وخُبَرائها ووُجَهائها ممن يتسمون بالحكمة والعدالة والاستقلال والوسطيَّة، وكسر حدَّة الاضطراب والاحتراب التي سادت مجتمعات كثيرة من الأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة، وتجنيبها عوامل الصِّراع والانقسام والتشرذُم.

المحور الإعلامي والاجتماعي
أما المحور الثالث لاستراتيجية الإمارات للتصدي للتطرف والإرهاب، فيتمثل في الجانب الإعلامي والاجتماعي، حيث تتبنى الدولة العديد من المبادرات المعنية بالاتصالات الاستراتيجية ودور وسائل التواصل الاجتماعي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ولعل أبرزها:«مركز صواب»– وهو مبادرة تفاعلية بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية للعمل على تسخير وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة، وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة – والذي يأتي ضمن إطار تعزيز جهود التحالف الدولي في محاربة «داعش». ومن أهم مبادرات الدولة في هذا المجال أيضاً«منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» والذي استضافته الدولة لعامين متتاليين، وخرج بمجموعة من التوصيات والمبادرات المهمة في مجال تعزيز السلم وصناعة السلام، ولاسيما «إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي».

الجماعات المتطرفة
وقال إن الجماعات المتطرفة تختلف في أجنداتها باختلاف منطلقاتها وتصوراتها حول القضايا الكبرى.
وبالتالي، فإنها توظف طاقاتها وكوادرها في تنفيذ أجنداتها الخاصة والعمل على استغلال كافة الظروف المهيئّة لظهورها ونشاطها.
فالعالم بشقيه الغربي والعربي يعيش حالة من التحولات (الجيوسياسية) ويواجه جملة من التحديات الكبرى، والتي بمجملها تفرض على واضعي السياسات ومتخذي القرارات إعادة النظر بالتصورات الحالية لكيفية التعامل مع هذه التحولات، والعمل على وضع آليات مختلفة لكيفية التصدي لهذه التحديات.

دراسات لمكافحة التطرف
ولفت إلى أن هناك عدداً هائلاً من البحوث والدراسات والتي تسعى جميعها للوقوف على أسباب التطرف وتطوير الأساليب الناجعة لمواجهته.
وتتنوع هذه البحوث بتنوع الأبعاد التي يهتم الباحثون بتناولها واستكشافها ودراستها.
فنحن في مركز هداية، على سبيل المثال، قمنا بإصدار عشرات البحوث والدراسات والأوراق العلمية ذات الصلة بماهية التطرف وأساليب العلاج والتي تشمل على سبيل المثال لا الحصر، دور المرأة في مكافحة التطرف، تحليل الخطاب المتطرف في منطقة شرق آسيا والشرق الأوسط، دور الاتصال الاستراتيجي والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في مكافحة التطرف.