دنيا

السخرية.. تميت القلب وتورثه الغفلة

القاهرة (الاتحاد)

إنَّ المجتمع الفاضل الذي يُقيمهُ الإسلام بهدي القرآن، له أدب رفيع، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس، وهي من كرامة المجموع، ولمز أي فرد لمز للنفس ذاتها فغير متصور أن يعيب الإنسان نفسه، ولكنه تعبير يوحي بعظم الرابطة والوحدة بين المسلمين، لأن الجماعة واحدة، والقرآن يهتف للمؤمنين بذلك النداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وينهاهم أن يسخر قوم من قوم أي رجال من رجال، أو أن يسخر نساء من نساء، يا من آمنتم بالله حق الإيمان، لا يحتقر بعضكم بعضاً ولا يستهزئ بعضكم من بعض، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، «سورة الحجرات: الآية 11».

استخفاف
فقد نهى الله المؤمنين عن السخرية من الآخرين مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعل من يُسخَر منه ويُنظر إليه نظرة احتقار واستخفاف، خير وأحب إلى الله من الساخر الذي يعتقد بنفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص ويعيِّره، ونهى المؤمنين عن تبادل الشتائم، والتهاتر بالألفاظ القبيحة، لأن ذلك يوقع البغضاء بينهم، ويتجه بهم إلى منزلقات الجاهلية.
قال السعدي، هذا من حقوق المؤمنين، بعضهم على بعض، أن «لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ» بكل كلام، وقول وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك حرام، لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به خيراً من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية، لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحلٍ بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».

الهمز بالفعل
ولا يعب بعضكم على بعض، واللمز بالقول، والهمز بالفعل، وكلاهما منهي عنه وحرام، متوعد عليه بالنار، ولا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا، بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب، والواجب على العبد، أن يتوب إلى الله، ويخرج من حق أخيه، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابلة على ذمه.
قال الطبري، إن الله عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض بجميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك، كما نهاهم أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمَّ الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها.
وقال ابن كثير، إن من صفات المنافقين أنهم لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحدهم بمالٍ كثير قالوا مُراءٍ، وإن جاء بقليل قالوا إن الله لغني عن صدقة هذا، والسخرية تميت القلب وتورثه الغفلة، حتى إذا كان يوم القيامة ندم الساخر وتحسر.. ومن لم يستجب لله ويبتعد عن احتقار الناس وإيذائهم، فقد ظلم نفسه، وفي هذا التشريع محافظة على كرامة الإنسان بصفة عامة، والمؤمن بصورة خاصة وصون للمجتمعات من الابتذال.