الملحق الثقافي

رؤوس المفكّرين عزيزة المنال

التفكير يجب أن يقدح كما تقدح النار في تيار من الهواء

التفكير يجب أن يقدح كما تقدح النار في تيار من الهواء

آرثر شوبنهاور
إعداد وتقديم: عبير زيتون

شكَّل السؤال الغريب الذي ألقاه الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور في صباه على حارس الحديقة العجوز: «هلا أخبرتني من أكون؟» الشغل الشاغل لفكره الجبار في رحلة العمر كلها، فضرب في رحاب الفكر، وسار على دروب التصوف، وجاس في بحور الديانات الفلسفية القديمة، وتعب من سبر بطون الكتب واللغات، بحثاً عن هذا الجواب الذي يؤرقه والذي أوصله في نهاية المطاف إلى قناعة ملخصها: الفناء والعدم. احتلّ «شوبنهاور» مكانة رفيعة بين حكماء الإنسانية وفطنائها كـ «نبي للتشاؤم والعدمية»، وبعث البوذية وأحياها في الفكر الحديث، وأعطى العالم مذهباً فلسفياً متكاملاً وصفه هو نفسه بأنه «ميتافيزيقيا تجريبيَّة» ترتد في منابعها - كما أقرَّ هو - إلى أفلاطون، وكانط، والفلسفة البوذية، وأسفار الفيدا الهندوسية. اتخذ للفلسفة منهج العلوم القائم على التحليل والاستقراء فخرج بها عن مدارها التقليدي الذي عرفه الفكر الإنساني. عاش «شوبنهاور» اثنين وسبعين عاماً قضى ما ينيف على نصف قرن كاتباً، ومفكراً، متأملاً قبل أن تأتيه الشهرة في آخر سنوات الثلاثين، وهو الناسك في محراب الفكر، لا صديق له سوى «تمثال بوذا» وتمثال كانط وصورتين لغوته وشكسبير وكلب يقتنيه، غير عابئ بما وصل إليه، متيقّناً، من بلوغه تلك المكانة طال الزمن أو قصر. ويعتبر كتاب (العالم كإرادة وتصور) واحداً من أبرز الكتب الفلسفية التي عرفتها البشرية خلال مئتي عام، وقد حاول خلاله أن يظهر الدور الأساس الذي تلعبه الإرادة في حياة الإنسان. والتي يراها شوبنهاور: «واحدة ولا زمان لها، وهي فضلاً عن ذلك تتحد مع إرادة العالم بأسره». ومن مؤلفاته الأخرى: (الجذور الأربعة لمبدأ العلة الكامنة)، (عن الإرادة في الطبيعة)، (المشكلتان الرئيستان في الأخلاق)، وأكمل مذهبه الفلسفي بكتابيه: (فن الجدل) و (المقالات) ومنه هذه الشذريات، وهو من إصدار المركز القومي للترجمة – ترجمة شفيق مقار.

هذه الحياة محزنة جداً، ولهذا فقد قرَرتُ أن أقضيها بالتأمل فيها.
***
ولدتُ لترك أثر باقٍ لا يمحى من جبروت عقلي في حياة الجنس البشري.
***
إن أعدائي يرون أن الشهرة قد جاءتني بعد فوات الأوان. فهم يظنونني شيخاً طاعناً أقف على حافة القبر، إلا أني سأخيب منالهم جميعاً، وأعيش لأراهم يموتون قبلي. مازال أمامي قرن على الأقل من الشهرة قبل أن أموت.
***
ها أنذا أسمع أبواق الشهرة ترفع من شأن التوافه، وتذيع صيت البلهاء بينما أنا أقف منزوياً في الظلام لا يسمعني أحد. أنا الذي رفعت قناع الحقيقة إلى أبعد مما بلغه أي إنسان.
***
الإنسان كلما ارتفعت جدارته صُعب عليه إدراك الشهرة، لأن الناس لا قدرة لهم على النقد الصائب، وعلى التمييز بين الطيب والخبيث.
***
إن من يتوصل إلى إخراج عمل عظيم مقدر له الخلود، يجب ألا يتأذى من استقبال الناس لذلك العمل، أو تؤثر فيه آراء النقاد وأقوالهم إلا بقدر ما يتأثر الإنسان العاقل في مصح المجانين بعدوان النزلاء وصياحهم.
***
يقف الحسد حجر عثرة في سبيل البدايات الأولى للشهرة، ويلصق كالعلقة فلا ينفك عالقاً حتى النهاية، وهو يلعب دوراً بالغ الخطر في مسار هذا العالم الشرير.
***
الحسد هو الروح المحركة لذلك التحالف الدنس غير المعلن، المزدهر أبداً، الذي يجعل التفاهة والتخلف يقفان صفاً واحداً في وجه التفرد والنبوغ حيثما وجدا.
***
الفن هو سبيل الخلاص للفرد من إرادته، ووسيلة إلى التحرر من إسار الغايات المحمومة الحمقاء التي تكبله بها حياة الواقع، ليدرك الأشياء كما هي في ذواتها الأصلية، فلا يعود يراها أغراضاً بل معانٍ.
***
أين هو ذلك الإنسان الذي يقدر أن يكون سعيداً وكل من حوله يتعذبون؟ إن من يحلم «بالسعادة» في هذا الخضم المتلاطم من الشر لهو إنسان أحمق، لأنه ليس هناك ما يفصل بين سعادة الفرد، وشقاء الآخرين، ولا بين إرادة الفرد والإرادة الكلية للجنس البشري كله.
***
الإرادة هي جوهر الإنسان، وهي جوهر العالم ذاته، وهي صاحبة السلطان، وما العقل إلا عبد وخادم لها.
***
إن كان هناك من يشتهي الرفقة، ويطلب المسلاة التي تخفف عنه الشعور بالوحدة فلن يجد خيراً من محبَّة كلب أمين يجد في طباعه وصفاته الذهنية بهجة وإمتاعاً وما عليهما من مزيد.
***
الزمن سيد مهذب على ما يقال، إلا أنه يتباطأ في إعطاء الحقوق لأهلها كالمحاكم تماماً.
***
حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة.
***
من لا يستمتع بالعزلة لن يهوى الحرية.
***
المهارة تصيب هدفاً لا يمكن لأحد أن يصيبه.. أما العبقرية فتصيب هدفاً لا يمكن لأحد أن يراه!
***
الفرق بين الإرادة والعزيمة: «الإرادة» هي ما يدفعك للخطوة الأولى على طريق الكفاح، أما العزيمة فهي ما يبقيك على هذا الطريق حتى النهاية.
***
لا وجود للحقيقة إلا تلك التي تمتلك قوة الحجة أو قوة السلطة أو الاثنين معاً، ومن هنا نشأ فن أن تكون دائما على صواب.
***
الفن الموسيقي هو المجموع الكامل لكل تعبير فني، وصوت الإرادة الكاملة للإنسان والطبيعة. فبالموسيقا تكشف لنا الطبيعة عن أسرارها الباطنية ودوافعها وأمانيها بطريقة تجلُ على العقل ولكنه يدركها بالشعور.
***
الأسلوب هو تقاطيع الذهن وملامحه، وهو منفذ إلى الشخصية أكثر صدقاً ودلالة من ملامح الوجه.
***
القلم للفكر مثل العصا للسائر، إلا أن مشيك يكون أيسر متى كان بلا عصا.
***
العبقري لا ينبغي عليه أن يكبل نفسه بأغلال التعود على أداء عمل معين؛ لأن مجرد وجوده في هذا العالم كان في حد ذاته نعمة كبرى للجنس البشري كله.
***
إن كل هؤلاء الأدعياء الذين يحاولون إيهام الناس بأنهم فلاسفة ليسوا إلا حفنة من المدرسين وأفّاقي المدرَّجات.
***
ما كاد «كانط» يختفي في غيابة القبر حتى قامت قائمة السفسطائيين الذين أنهكوا الفكر في زمانهم بما أحدثوه من ضجيج أجوف جَر على الناس مرذول القول.
***
الحمقى وحدهم الذين يتصورون أن في وسعهم ابتياع العمر من حوانيت الصيادلة، وعلى أي حال ما جدوى التعلق بأهداب الحياة، ومن ورائها العدم، وهو المصير والمآل طال العمر أم قصر.
***
الكاتب الذي ينساق إلى الكتابة سعياً وراء المال يذنب في حق قارئه ذنباً لا يغتفر.
***
شيوع التربّح من وراء الكتابة وبدعة حفظ حقوق النشر، سبب في ضياع الأدب.
***
الصحافة الأدبية ينبغي أن تكون بمثابة سدّ منيع في وجه التسويد غير المسؤول وغير المجدي للورق، وهو الذي يتمثل في ذلك السيل العارم من الكتب الرديئة عديمة النفع التي يطفح بها كل عصر.
***
القراءة والتعلم شيئان يستطيع أي إنسان أن يزاولهما بمحض إرادته، أما الفكر فلا... فالتفكير يجب أن يقدح كما تقدح النار في تيار من الهواء وهي رؤوس نادرة عزيزة المنال. وهذا هو السبب في أن أهل العلم لا يتبدّى لهم إلا أقل القليل من ذلك الضرب من الاهتمام.
***
الحقيقة التي يكتسبها الإنسان بالتعلم أشبه ما تكون بالأطراف الصناعية أو بأنف مصنوع من لحم آخر فلا يعلق بالوجه إلا لأنه يوضع عليه وضعاً. أما «الحقيقة» التي يوصلنا إليها الفكر النابع من عقولنا، فهو يشبه أطرافنا الحية، وهي وحدها التي تخصنا، وهنا يكمن التباين الجوهري بين المفكر وبين ذاك الذي لا يعدو أن يكون واحداً من أهل العلم.
***
كمية الضوضاءِ التي يملكها أي واحد بطريقة غير ملموسة، تتناسب عكسياً مع قدرتِه العقليةِ.
***
نحن نتخلّى عن ثلاثة أرباع أنفسنا لكي نتماهى مع الآخرين.
***
لا تؤذِ أحداً… وساعد الجميع بقدر ما تستطيع.