دنيا

رب العالمين توّعد من استحل الربا

القاهرة (الاتحاد)

ينبغي للعبد مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله إذا أمره بأمر وجب عليه أولاً أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به ليتمكن من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نُهي عن أمر عرف حده، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، ومن هذه النواهي ترك الربا، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، «سورة آل عمران: الآيات 130- 132».

المبادرة
قال ابن كثير، ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والآخرة، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات.
قال الفخر الرازي، إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ...)، ثم قال تعالى: (... وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، «سورة آل عمران: الآية 200»، فاعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يتوقف عليه، فلو أكل ولم يتق زال الفلاح وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر.
وقال القرطبي، كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا، فأنزل الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ...)، «سورة آل عمران: الآية 130»، وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي، لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...)، «سورة البقرة: الآية 279»، فكأنه يقول إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم، فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولا به عندهم.

الفرائض
وقال تعالى لهم، واتقوا الله في أموال الربا فلا تأكلوها، ثم خوفهم فقال واتقوا النار التي أعدت للكافرين، وهذا الوعيد لمن استحل الربا، ومن استحل الربا فإنه يكفر، ومعناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه، ثم قال وأطيعوا الله، في الفرائض، والرسول في السنن، وقيل أطيعوا الله في تحريم الربا، والرسول فيما بلغكم من التحريم، كي يرحمكم الله.
قال السعدي، ذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، وذكر لفظ «التقوى» فيها ثلاث مرات، ونهاهم عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا حل الدين، على المعسر ولم يحصل منه شيء، قالوا له إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد في المدة، ويزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه ويلتزم ذلك، فيزداد بذلك ما في ذمته أضعافاً مضاعفة، من غير نفع وانتفاع، وفي هذا تنبيه على شدة شناعته بكثرته، ولحكمة تحريمه.