دنيا

«عمال الدليفري».. مهمات صعبة في رمضان

أحمد النجار (دبي)

أكد عمال مطاعم «الدليفري» أن مهنة توصيل طلبات الأكل إلى المنازل، تحرمهم أحياناً من ممارسة طقوس كثيرة خاصة في أيام رمضان، فقد تفرض عليهم استقبال فرحة الإفطار في الشوارع على متن دراجاتهم السريعة، كما تستقطع من يومياتهم لحظات جميلة ومواقف إنسانية يتمنون عيشها والاستمتاع بها، ولعلَّ أبرزها خصوصية الإفطار وروحانية العبادة في المسجد أو مع الأهل والأصدقاء، حيث يشترط عليهم أصحاب العمل الالتزام بتأدية مهامهم مع اقتراب موعد الإفطار، والتي قد تستمر بمداومتهم لساعات مديدة حتى موعد السحور، وهو أمر يعتبرونه ظرفاً مهنياً خاصاً يتحتم عليهم احترامه، للمحافظة على مصدر رزقهم الذي يوفر لهم لقمة العيش.

عتاب وشكر بارد
اعتبر بعض العاملين الذين التقيناهم للحديث عن طقوسهم في الإفطار على رأس العمل، أن مهنة «الدليفري» مهمة نبيلة، خاصة في رمضان، يأملون أن يؤجروا عليها كونهم يحملون فرحة الإفطار للعديد من الأسر في منازلها موفرين عليها الجهد، وهذا ما يجعلهم سعيدين بهذه المهنة التي قد لا يجنون منها أحياناً، على حد تعبيرهم، سوى كلمات الشكر الباردة، وعبارات العتاب واللوم على التأخير في معظم الأحيان.

100 وجبة باليوم
ألوان وأشكال من الدراجات تملأ شوارع المدن وأحياءها ويزداد زخمها أكثر في شهر رمضان عند وقت الذروة قبيل حلول موعد الإفطار، وكل دراجة توزع أكثر من 100 وجبة يومياً، وكل سائق له قصة واحدة مع مهنة «الدليفري» يرويها بطريقته ويكابد تعبها ويتحمل عبء مسؤوليتها دون أن يشعر به أحد.

كواليس المهنة
خلال زيارة إلى عدد من المطاعم الشهيرة في دبي، والتي تصطف أمامها عشرات الدراجات النارية، وتتلقى يومياً مئات الطلبيات المنزلية خلال ساعات الإفطار، وحتى يحين موعد السحور، التقت «الاتحاد» سائقي الطلبات، وراعينا عند الحديث إليهم اختيار عرب وآسيويين من الجاليات المسلمة، لنقلب معهم صفحات من تجاربهم اليومية في مهنة توصيل الوجبات للمنازل.

مخاطر الطريق
«كل وجبة نحملها، وراءها قصة لا يعلم تفاصيلها المسؤول في المطعم، ولا صاحب الطلب ذاته، لاسيما أن الأخير لا يهمه سوى تسلم وجبته في موعدها، وحال استلامهم الطلب، فإن بعض الزبائن لا يتفوهون بكلمة أو بسلام أو حتى بتشجيع معنوي، ولا يخطر ببالهم حتى قول كلمة «تفضل» من باب اللباقة وحسن المعاملة»، هكذا وصف محمد بكر عمارة، شاب مصري 31 عاماً، مشهد تسليم الطلب للزبون. وبالحديث عن السيناريو اليومي الذي يكابده سائق «الدليفري»، ويعتبر أمراً روتينياً في نظر «صاحب المطعم» و«الزبون» معاً، فهو يحمل شؤوناً وشجوناً أولها أن هناك تعباً نفسياً وجهداً معنوياً يعيشه سائق «الدليفري» بدءاً من تسلّم شحنة الطلبات من المشرف في المطعم، الذي بدوره أيضاً لا يهمه مثلاً إشكالية تشابك الأماكن وصعوبة الوصول إلى العناوين أحياناً، حيث لا تخلو مهنتنا من صعوبة البحث ومشقة التواصل مع الزبون للاستدلال على المواقع، وقد نستغرق في ذلك وقتاً طويلاً لبلوغ الهدف، كما نعاني من زحمة الشوارع خاصة أننا نتحرك وقت الذروة، ونواجه خطر السيارات السريعة التي تشكل بحسب عمارة «هاجساً يومياً لا مهرب منه» قد يعرض حياتنا لخطر الموت أو الإعاقة لا سمح الله.

ضحايا «وجبة»
ولفت محمد إلى أن هنالك حالات وأصدقاء يعرفهم جيداً، فقدوا أرواحهم على الأرصفة، وراحوا ضحية من أجل إيصال وجبة، من دون أن يعلم صاحبها بأن سائق طلبه تأخر بسبب حادث سير أودى بحياته، أو خسر بسبب وجبته أحد أعضائه، وأصبح مشلولاً أو مصاباً بعاهة مثلاً.

إفطار عائلي
«لم أذق روحانية الإفطار منذ 11 عاماً»، حكاية يغلفها الشجن، يرويها جليل إسلام، بنغالي 39، عن تجربته مع إيصال الطلبات التي وصفها بـ«مهنة الموت»، وقال بأنه تعرض لإصابات طفيفة خلال هذه الفترة، لكنه أصبح حذراً، ويقود بتمعن ويلتزم بقوانين السير، متمنياً أن يحصل على إجازة ليشعر بفرحة الإفطار ويمارس طقوس رمضان بأريحية، ويعيش أجواءه الروحانية في المسجد، كما يتمنى جليل أن يقضي شهر رمضان بكامله مع أسرته في بلده بنغلاديش، حيث تميزه بحسبه البساطة والذكريات وحميمية الدفء العائلي.

مغامرة ومخاطرة
«مع كل شحنة طلبات أعيش مغامرة ومخاطرة يومية بالحياة، فليس المهم أن أفطر في بيتي أو في المسجد، لكن المهم أن أجد 5 دقائق لأفطر فيها دون أي ضغط أو استعجال من أحد سواء من إدارة المطعم أو الزبون»، هكذا تحدث زهير أيوب شاب سوري 27 عاماً، مردفاً: لكنني بعد 3 سنوات من هذه المهنة تعودت على ذلك، وأحمل فطوري المكون من تمر وماء معي، وأتناوله في طريقي، ومرات مقابل إشارة المرور، وأحياناً داخل المصعد.

صلاة الجماعة
وقال: أما الوجبة الأساسية، فأتناولها فور عودتي إلى المطعم بعد نحو ساعة من أذان المغرب، إلا أن المؤسف في نظره هو أن صلاة الجماعة تفوته غالباً، معتبراً أنها الخسارة الأهم التي يعانيها، أما الطعام فهو متوفر في كل مكان، ونفى وجود أي متعة أو ميزة في مهنته، عدا أن ساعات العمل تكون خفيفة خلال شهر رمضان، وتبلغ الطلبيات ذروتها عند حلول موعد الإفطار، وتقل تدريجياً ثم ترتفع قليلاً عند الساعة 11 إلى الواحدة بعد منتصف الليل، على عكس الأيام العادية.

مشكلة الدفع!
قال إخلاص عبد العظيم، باكستاني، 32 عاماً، إن هذه المهنة ليست بسيطة، فهي تتطلب صبراً وتركيزاً وهدوء أعصاب، نظراً لنوعية المعاناة والمخاطر التي يواجها السائق، وصولاً إلى المنازل المستهدفة، وقد يتعرض أحياناً للتوبيخ بسبب التأخير أو حدوث خطأ في رقم الطلب، مشيراً إلى أن أكبر مشكلة تواجهه هي تعذر الزبون عن الدفع نقداً فيطلب منه العودة لاحقاً، أو قد يضطر للنزول مرتين لعدم وجود «فكة» بباقي المبلغ، ومع ذلك ينفي إخلاص بشدة حصوله على عمولة أو هبات أو ما يعرف بـ«البقشيش» إلا نادراً، وقال إن غالبية الطلبيات تستلمها النساء على عجالة.

فرحة الإفطار.. غائبة
معاناة مختلفة يسرد تفاصيلها خليل عثمان 34 عاماً، الذي أكد أن «فرحة الصائم» لحظة الإفطار تكاد تكون غائبة أو شبه معدومة بالنسبة له، معتبراً هذه المهنة «مرهقة ذهنياً ونفسياً»، لكنه يعول على نيل الأجر بإيصال الطلبات التي تسعد الزبائن ما يجعله يعتقد بأنه يتحمل عناء الطريق من أجل إفطار صائم.
وأضاف: لم أفكر بالانتقال لمهنة أخرى، ذلك أنني اعتدت وتعودت على مهنة «الدليفري»، وليس لديّ أحلام مهنية ولا أمنيات في هذا الشهر الكريم سوى دوام النعمة، وآمل أن أوفق في توفير لقمة العيش لأسرتي، حتى لو كان الثمن يهدد حياتي بخطر الطريق أو حرماني من بعض الطقوس الروحانية. وأشار في ختام حديثه إلى أنه يقضي وقتاً سعيداً مع زملاء مهنته حين يجلسون على مائدة إفطار واحدة عقب مهامهم، ويتبادلون أحاديث وطرائف ومواقف من يومياتهم مع الزبائن، تخفف من وطأة معاناتهم، وتصنع لهم مزاجاً خاصاً.