ثقافة

فيليب روث: «لقد انتهيت»

فيليب روث

فيليب روث

أحمد عثمان (باريس)

بوفاة فيليب روث، الروائي الأميركي الأبرز في القرن العشرين، سوف تخسر جائزة نوبل للآداب واحداً من مرشحيها الدائمين. فقد رحل عملاق الأدب الأميركي المعاصر، يوم الثلاثاء 22 مايو عن عمر يناهز الخامسة والثمانين. توفي في نفس يوم وفاة فيكتور هوغو قبل 133 عاماً.
أعمال فيليب روث موسومة دوماً بعلامة سوء الفهم. ولد في نيوراك بنيوجيرسي يوم 19 مارس 1933، أصبح كاتباً لامعاً منذ روايته الأولى. كان في سن السادسة والعشرين عندما أصدر، في عام 1959، مجموعته القصصية «وداعاً كولومبس»، التي حازت جائزة «ناشيونال بوك آوارد»، التي لم تمنع التعليقات والانتقادات اللاذعة. «ذا نيويوركر»، التي رأت موهبته القوية، نشرت إحدى قصصه «مدافع عن العقيدة». القصة تعتبر صيحة غضب، اعتراض ضد هذا «اليهودي السيئ» الذي لا يحب طائفته. رآه الحاخامات «يهودياً مناهضاً للسامية». بل بلغ الأمر بأحدهم أن طالب روث بالتزام الصمت، مؤكداً بأنه لو كان يحيا في العصور الوسطى لعرفه اليهود ما سوف يقومون به حياله.
بعد عشر سنوات وثلاث روايات، وسع روث الهوة بروايته «بورتونوي وعقده» التي حازت نجاحات عالمية: 42000 نسخة بيعت في الولايات المتحدة خلال ثلاثة أسابيع، وملايين النسخ بعد ذاك في أرجاء العالم بأسره. بين ليلة وضحاها، أصبح من المستحيل أن يتجول فيليب روث بحرية في شوارع نيويورك من دون ملاحقة قراءه: «لقد حزت المجد الأدبي. حزت مجداً جنسياً وحتى مجد المجنون. تلقيت مئات الرسائل أسبوعياً، ومن ضمنها مئات مزودة بصور فتيات يرتدين البكيني. لقد حزت مناسبات عدة لكي أخفق في تحقيق حياتي».
فيليب روث، عدو للنساء؟ في كل مكان، كانت الأصوات تتعالى عن عالمه الأدبي: الإباحية، عدو النساء، كره المجتمع، مدح النفس، اليهودية الاستحواذية، مناهضة اليهودية الاستحواذية، العبقرية. وهكذا، أصبح علامة نجم روك يتم وصمه بكل الصفات.
بالنسبة لطائفته اليهودية، تجاوز فيليب روث كل الخطوط، ومن اللازم أن ينتظر عام احتفاله بثمانين عاماً على مولده لكي يتم الاحتفاء به وتثمين «كل ما قدمه لصالح الأدب الأميركي خلال القرن العشرين» في أكبر معابد نيويورك. ومع ذلك، كان يرفض في كل المناسبات، وحتى هذه المناسبة الشهيرة، أي وسمه بعلامة «كاتب يهودي».
وبعد ذلك توالت الروايات كما نعرف لهذا القارئ الكبير لفلوبير وكافكا، يصف بالتفصيل هواجسه الجنسية، يسخر من أميركا المنتشية بنفسها، ماديتها وأحكامها المسبقة، ويبتكر ثنائيات لكي يجسد دواره الهوياتي والوجودي المؤلم.
من بين هذه الروايات «البقعة»، «مؤامرة ضد أمريكا»، «رعوية أمريكية» (جائزة بوليتزر في عام 1998). وأيضا الرواية الاستثنائية «حياة مضادة»، حيث النية السردية تقوم على ألعاب المرايا الماهرة التي لا يمكن تصميمها وتنميطها. وكذا، «حياتي كرجل» (1974)، هذه الرواية غير المعروفة كثيرا لدى قرائه، المنشورة العام الفائت في سلسلة «البلياد» المرموقة الصادرة عن مطبوعات غاليمار، التي تشرح نهاية زواج بمبضع جراح: «دراستي للتحليل النفسي كانت بالنسبة لي أكثر فائدة لي ككاتب عن كوني عصابياً»، هكذا قال روث بشيء من الخبث.
«أنا على رأس مصنع الخيال»، قال في عام 2007 لمجلة «لو نوفيل أوبزرفاتور». في الواقع، قلقه، كان يفضل أن يخفيه خلف الأقنعة، ويعهده الى شخصيات تشبهه من دون أن تكونه، كما مع شخصية «ناثان زوكرمان» الشهيرة: «من أنا في الحقيقة إن لم أكن ما أستطيع تخيله؟». ولهذا، من المؤكد أنه أنهى حياة شخصية زوكرمان بسنوات قبل أن يعلن توقفه عن الكتابة: «لزم علي أن أضع حدا لهذه الدائرة، وإلا سوف أموت ولم يزل زوكرمان حياً بعد.»
رداً على سؤال: كيف ترى حياتك؟ أجاب: «حياتي هي ما جرى لي على المستوى الأدبي. الكتب التي كتبتها، الأصدقاء الذين صاحبتهم، النساء اللاتي عرفتهن، الصحة، كل هذا جاءني... هل تعتقدي أنك من تسببين الأشياء، كما يعتقد النفسانيون، ولكن هذا خطأ. في الحياة، كل شيء ليس سوى مسألة حظ: ذات صباح تتسكعين في الشارع وتلاقين الرجل الذي سيفسد عليك الستة أعوام المقبلة من حياتك. إذا كنت في الناحية المقابلة، ستلاقين الرجل الذي سيجعلك سعيدة. الشيء الوحيد الذي تستطيعين التحكم فيه هو عملك. لم أستطع سوى التحكم في عملي. وأيضا... لا أعرف إن كنت نجحت أو فشلت، كل ما أستطيع قوله، إنني بذلت كل ما في وسعي. بالضبط: بذلت أفضل ما في وسعي.» (نيللي كابرليان، ليه آنروكوبتيبل، 5 أكتوبر 2009).
وبعد 50 عاماً من الكتابة، قرر روث أن روايته «نيميسيز»، التي ألفها العام 2010 وتحكي قصة عن تفشي شلل الأطفال في حي نيوارك الذي نشأ فيه بنيوجيرزي، ستكون الأخيرة له، وقال يومها من دون تردد «لقد انتهيت». وفي 2017 نشر مجموعة مقالات وأعمال غير روائية كتبها بين 1960 و2013.