دنيا

رمضان في بلادنا عرس للعطاء والترابط الأسري

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تزور «الاتحاد» بيوت عقيلات، سفراء دول إسلامية، مقيمات في الإمارات، لتستكشف عادات وتقاليد الشعوب خلال الشهر الفضيل، الذي يجمع ويوحد بين المسلمين في شتى أرجاء العالم، مهما تباعدت المسافات والقارات.. لكن بالطبع، يضع كل مجتمع بصماته الفريدة وفقاً لتراثه وبيئته، على مختلف طقوس شهر الصوم، من استطلاع الهلال واستقبال الشهر، حتى الاحتفال بعيد الفطر. كل هذا ترصده «الاتحاد» على مدار الشهر الفضيل، عبر حواراتها اليومية مع قرينات السفراء.
تكاد تتوحد طقوس الدول العربية والإسلامية في رمضان، من حيث ما يسدله هذا الشهر الفضيل من سكينة وطمأنينة وراحة نفسية، من خلال العبادات وقراءة القرآن والتصدق والتكافل الاجتماعي والتزاور، لكن تظل هناك خصوصيات تميز كل دولة عن الأخرى، رغم التقارب الجغرافي، وقد تتفاوت هذه الطقوس والعادات والتقاليد في نفس البلد الممتد على مساحة واسعة والذي عرف تعاقب حضارات مختلفة، ما يؤثر على التنوع في مطبخه وأزيائه، إلى ذلك تعرف الجمهورية التونسية تنوعاً في العادات والتقاليد في الشهر الكريم، وتتفرد ببعض الطقوس التي ترتبط بأجواء شهر رمضان، حيث يحرص التونسيون على الصلاة في المساجد، وتزدهر حلقات تحفيظ القرآن، والمسابقات الدينية، وتنظيم سهرات دينية تحييها فرق الإنشاد الديني التي تستمر إلى حدود موعد السحور، الذي كان يعلن عنه وما زال في بعض الأحياء الشعبية «بوطبيلة»، أي «المسحراتي». ومن خلال جولتنا الرمضانية بمختلف الدول العربية والإسلامية، نتوقف اليوم في الجمهورية التونسية، عبر كوثر بن موسى حرم سفير جمهورية تونس سمير المنصر التي تحدثت لـ«الاتحاد» عن عادات وتقاليد بلدها خلال شهر رمضان، وقد جالت بها في مختلف مناطقها، عبر مائدة رمضانية وأزياء تقليدية، ضمن أجواء وطقوس رمضانية تونسية مميزة.

روحانيات
وتقول كوثر بن موسى: «يحرص المسلمون خلال شهر رمضان على استحضار روح القيم الإسلامية، ويتجلى ذلك في عدة طقوس وعبادات منها، احتفالية دينية تتم في جامعة الزيتونة، ويزيد نشاط المدينة القديمة بتونس العاصمة، خاصة في صلاة التراويح، وتنظم الحلقات الدينية، ويتم الاحتفال بليلة القدر بجامع الزيتونة المعمور، كما تنشط مسابقات حفظ القرآن الكريم، وخاصة من طرف الشباب، حيث تخصص جوائز قيمة للفائزين، تشجيعاً على حفظ كتاب الله وتلاوته. ومن الروحانيات التي يقبل عليها التونسيون أيضاً خلال الشهر الكريم الطقوس الدينية بمنطقة سيدي بوسعيد بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة، وهي عبارة عن ربوة تطل على البحر، والتي يتواجد بها مقام العالم بوسعيد الباجي، حيث يشهد احتفالات دائمة، إذ يجوب الصائمون الأزقة الضيقة ذات النمط المعماري التونسي الخالص الذي يتميز بلونيه الأبيض والأزرق، ويخرج التونسيون الذين يفدون إلى المكان خلال هذه الليلة من جميع ربوع الجمهورية في مجموعات يتصدرها أعيان البلاد، مرتدين الجبة التونسية، وحاملين سبحة من العاج الخالص، بينما تتعالى ابتهالات الفرقة العيساوية بالأذكار والأمداح والأدعية. ومن أهم المنارات التي تستقطب آلاف المصلين خلال شهر رمضان، مسجد عقبة بن نافع الذي تأسس سنة 50 من الهجرة وهو يتميز بساحة واسعة، ويؤمه الناس من داخل البلاد التونسية وخارجها لأداء صلاة التراويح، وينطبق ذلك أيضاً على جامع الزيتونة الذي يعود إلى أكثر من 1300 سنة.

كل قدير وقدره
ويزيد الترابط والتلاحم خلال شهر رمضان وإسبال العطايا، وتكثر الأعمال الخيرية من طرف المؤسسات التونسية والجمعيات الخيرية والمبادرات الفردية، حيث تقول كوثر بن موسى، إن المجتمع التونسي مترابط في عادته، ويزيد ذلك أكثر خلال شهر رمضان، وحسب المثل الشعبي المتداول «كل قدير وقدره» فتكثر العطايا كل حسب استطاعته، فبالإضافة إلى النشاط الرسمي للدولة هناك أيضاً مبادرات كثيرة خيرية أهلية وفردية.

مهرجان المدينة الثقافي
وتقول كوثر بن موسى، إن مهرجان المدينة يرتبط بالذاكرة الجمعية للتوانسة، حيث ينظم على مدى 30 ليلة وفق برنامج مدروس ومحكم، يتضمن العديد من الفعاليات الثقافية، وينظم بتونس العاصمة في المدينة العتيقة، حيث تنشط المسارح والنوادي الثقافية. ومن تقاليد الأسر والعوائل التونسية كذلك تخصيص وقت للأسرة والأصدقاء ليخرج الجميع للاستمتاع بالأجواء الثقافية بعد صلاة التراويح، وتلبس المدينة حلة مبهجة، حيث تتزين المدينة بالأنوار وتعد العدة لهذا المهرجان، ويشتمل على برنامج حافل من الموسيقى والفنون الهادفة والمسرح، وغيرها كثير من العروض طوال الشهر الكريم.

تتساوى النساء
وتستقبل النساء التونسيات رمضان بكامل زيهن التقليدي الذي يعكس مهارة يد الصانع التونسي ومخيلته الإبداعية التي عرفت بعض الحداثة دون التخلي عن طابعها التراثي، حيث تعودت السيدات الالتقاء في جلسة مسائية بعد الإفطار ببعضهن بعضاً للتسامر والحديث، وتلاوة القرآن، وتجاذب أطراف الحديث في مناسبات عديدة. وحسب حرم السفير التونسي، فإن جميع النساء في رمضان يتساوين في تحضير الأطباق بأنفسهن، وتجهيز بيوتهن لاستقبال الشهر الكريم، موضحة: تعد المرأة التونسية الأطباق خلال شهر رمضان خاصة بنفسها، ولا تتخلى عن دورها لأي كان مهما كان مستواها الاجتماعي، وتتشارك جميع فئات المجتمع في إعداد البيت وتنظيفه وشراء الأواني الجديدة، خصيصاً للمناسبة، وتحرص أيضاً الأسر التونسية على التجمعات العائلية.

الخطبة
ومن العادات المتميزة في تونس التي تنشط خلال رمضان مناسبات الخطبة وختان الأطفال، تيمناً وتبركاً بأيامه العظيمة، وتستقي هذه العادات والتقاليد الرمضانية مهابتها من الشهر الكريم، حيث تتشارك جميع الشعوب العربية والإسلامية في الجانب الروحاني، من صلاة، وصوم، وقراءة القرآن، وقيام الليل والتصدق، ولكن تظل هناك خصوصيات كبيرة يتفرد بها كل بلد من البلدان من حيث ممارسة بعض العادات والتقاليد، وتحضير بعض الحلويات للشهر الكريم بفترة قد تتجاوز أحياناً 3 أشهر قبل حلول هذا الشهر تعظيماً لمكانته وتبجيلاً لمعانيه.

شق الفطر
وتختلف الأزياء والمأكولات من ولاية لأخرى في تونس مع الحفاظ على بعض القواسم المشتركة، وكل ولاية لها تحضير خاص بها، حيث تقول كوثر بن موسى: تجهز المواد الأساسية لبعض «الشوربات» والحلويات، والتوابل والمكسرات والحبوب لصنع الخبر في البيت، وهذه المواد تتواجد في كل منزل تونسي، وتسهر ربات البيوت على تجهيزها، إذ تفيض المائدة الرمضانية بالعديد من أنواع المأكولات التي تتغير بتوالي أيام الشهر الكريم، بينما تظل بعض الأطباق، حيث تعتبر شوربة الفريك الركيزة الأساسية، وتحضر بالشعير واللحم والخضراوات والطماطم، وكذلك شوربة الحلالم، وتتزين المائدة الرمضانية بأطباق أخرى، مثل: شوربة لسان العصفور، والبريك والطاجين وطبق الكسكسي التونسي والمحشي الذي يطلق عليه في تونس «فندق الغلة»، بالإضافة للعديد من السلطات، ومنها السلاطة المشوية، وسلطة أم حورية وسلاطة تونسية وكفتاجي، وهي عبارة على مقبلات، وطبق الملوخية التي لا تحضر بقوة خلال رمضان، بالإضافة إلى طبق النواصر، وهو عبارة عن عجين مربعات يسقى بالمرق، ويطلق على لحظة الإفطار في تونس «شق الفطر».

حلويات
وتقول كوثر بن موسى إن من أهم الحلويات التي تحضر يومياً على المائدة الرمضانية، الزلابية، والمخارق وأدرع، والذي يقدم على شكل حلويات، كما يستعمل مسحوق الدرع «حب إلان» كمشروب يتكون من بودرة «حب إلان» يطبخ مع الحليب والسكر، ويضاف له مسحوق السمسم ومسحوق البندق الذي يطلق عليه في تونس اسم «بوفريوة»، ويضاف له ماء «العطرشة»، وهو ماء مقطر من نبتة معروفة في الجمهورية، أو ماء الزهر، ويتم تقديمه في كؤوس ترش عليها مكسرات محمصة مهروسة.
ويحضر مشروب الدرع على المائدة الرمضانية التونسية بقوة، ويعتبر قاسماً مشتركاً بين كل الموائد الرمضانية على امتداد البلاد، كما يحتل المسفوف مكانة بارزة خلال الشهر الفضيل، وهو عبارة عن «الكسكسي» يضاف إليه مسحوق السكر وجميع أنواع المكسرات التي تقص بعناية كبيرة. ويعتبر التمر التونسي «دقلة النور» أهم ما يوضع في المسفوف، وأكدت حرم السفير أن تونس غنية جداً بالتمور، وتعتبر الثالثة في العالم من حيث الكمية، بينما الأولى عالمياً من حيث إنتاج هذه النوعيات الجيدة، وتعرف هذه التمور بجودتها ومذاقها، لافتة إلى أن تونس تلقب بالخضراء لمساحاتها الشاسعة المكسوة بشجر الزيتون والنخيل، وتختلف أطباق الحلويات الخاصة بجلسات ما بعد الإفطار والأخرى الخاصة بالسحور، بحيث يعتبر طبق المسفوف من الأطباق المفضلة خلال السحور لغناه بالمكسرات والنشويات، ولأنه يزود الجسم بالطاقة خلال نهار الصوم.

«المقروض» ينتمي لمدينة القيروان
تقول كوثر بن موسى إن المائدة التونسية في رمضان لا تخلو من حلويات المناسبات السعيدة والأفراح، خاصة في جلسة ما بعد الإفطار، التي يتم تناولها خلال ليالي رمضان الذي يكثر فيه تبادل الزيارات بين الأقارب والأحباب، ويحلو في مثل هذه السهرات تقديم أكواب الشاي بالصنوبر والشاي الأخضر المنعنع والقهوة المطحونة، خصيصاً للشهر الكريم، إذ تجتمع النساء مع بعضهن والرجال مع بعضهم في جو تسوده الألفة والمحبة، حيث عرفت تونس قديماً وشعبها خلال هذا الشهر الكريم بأجواء روحانية مميزة، وفي ليالي الشهر يتجاذب بعض الصائمين أطراف الحديث وحل الألغاز ويطلق عليها اسم «التشنيشة»، وتستغل بعض النساء هذا الجو في تجهيز «الحلالم» التي تستعمل في الشوربات خلال شهر رمضان، فهناك من يجهزها قبل رمضان، وهناك من يفضلها طازجة وتستعمل بعد تجهيزها مباشرة، أما الحلويات، فيحضر منها كعك الورقة، التي ينسب لمدينة زغوان التونسية، والمقروض وينتمي لمدينة القيروان عاصمة الثقافة الإسلامية التي أسسها عقبة بن نافع ويحمل المسجد في المدينة اسمه، ويصنع المقروض من التمر والسميد.