دنيا

رمضان في سوريا.. إفطار عائلي من دون دعوة

القاهرة (الاتحاد)

حُرم السوريون، بعد سنوات طويلة من الحرب، من أبسط مظاهر الحياة في رمضان، فالوضع المادي سيئ، والحرمان شديد، والأهم انشغالهم بمعاناتهم، إذ يفتقدون نكهة الشهر، ومع ذلك لا زالت الطقوس الرمضانية الرئيسة موجودة ومستمرة رغم الأزمة، فقد حظي شهر رمضان المبارك بمكانة خاصة عند السوريين، إذ تستعد له مختلف الأسر الفقيرة والغنية على حد السواء قبل أيام من حلوله في أجواء احتفالية، حيث تتزين واجهات المنازل، وتتلألأ الجوامع في كل المدن بالمصابيح، وتدب حركة غير عادية في الشوارع، كما تنشط المحلات التجارية والأسواق إلى ساعات متأخرة من الليل، وتستعيد العلاقات العائلية الدفء الذي سرقته منها الحياة العصرية، ويعتبر السوريون رمضان شهر اللمة مع العائلة بالدرجة الأولى، إذ يمثل فرصة نادرة لجمع أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار.

عادات لا تموت
من العادات التي تواظب عليها الأسر السورية في رمضان، إفطار جميع أفراد الأسرة لا سيما الأبناء المتزوجون مع زوجاتهم وأولادهم في اليوم الأول من بدء الصيام في منزل العائلة، وهذا التجمع العائلي، يحدث طبيعياً من دون توجيه الدعوة، في حين أن إفطار اليوم الثاني يكون عند أكبر أولاد الأسرة سنا وتستمر هذه الحال أياما قد تمتد طوال الشهر الكريم.
وتتمثل طقوس رمضان، بالدعوات المتبادلة لتناول الإفطار، حيث تشكل فرصة لتبادل الأحاديث والتعرف على أحوال بعضهم البعض، والتسامر وقضاء أجمل السهرات الرمضانية، ومن العادات التي يمارسها السوريون، أيضا تقديم وجبات الطعام للمسحراتي ومبلغ من المال له مع الأيام الأخيرة من رمضان، بعد أن يكون أدى واجبه في عملية إيقاظهم طيلة أيام الشهر الفضيل، كما اعتادوا على تبادل أطباق الطعام والمشروبات المتعددة والتي لا يكاد يخلو بيت منها كطبق «الكبة»، وتنتشر في هذا الشهر الفضيل موائد الرحمن التي تُقام لإطعام الفقراء وعابري السبيل ممن يأتي عليهم وقت الإفطار وهم في الطرقات.

تقاليد عريقة
وتنفرد دمشق بتقاليد مميزة في تعايُش الناس مع شهر رمضان المبارك، حيث يمارس أهلها عادات عريقة توارثوها عن أجدادهم، تحكي روح التراث والأصالة، والتواصل الديني والأخلاقي والحياتي، وتظهر نفحات الشهر الفضيل، حيث تسارع الأحياء إلى وضع الزينات في الشوارع وعلى أبواب البيوت والحوانيت، وتزيَّن الأسواق بالأعلام والآيات القرآنية الكريمة.
ومن الشخصيات التقليدية الطريفة التي كادت تندثر مع وجود التليفزيون والراديو، «الحكواتي»، إلا أن بعض المقاهي في دمشق عادت وأحيت سيرة هذا القصّاص الشعبي، في رمضان، حيث يتبوأ مكانه في صدر المقهى على سدة عالية مجللة بالسجاد، ويقص على الحضور القصص الشعبية عن «عنترة، والظاهر بيبرس، والزير سالم، وأبي زيد الهلالي»، والمدفع رمز من رموز رمضان، وكان في دمشق مدفع واحد يوضع على جبل قاسيون، ومع التوسع العمراني أصبح فيها 17 مدفعاً.

سحور مختلف
مما يتعلق بتناول السحور عند أهل الشام شخصية «المسحراتي»، الذي يتولى إيقاظ الناس لتناول طعام السحور، يبدأ بجولته قبل أذان الفجر بساعتين كي يتمكن من إيقاظ أكبر عدد من أهل الحي، ويستعمل «الطبلة» يقرع عليها بعصاة صغيرة، ويردد عبارة «قوموا يلي ما بدوموا»، وقد كان المسحراتي يشكل عنصراً حيوياً في شهر رمضان، ويعتمد عليه كثير من الناس في استيقاظهم، وكانت توجد نقابة تضم من يمارس هذه المهنة، مهمتها تنظيم العمل بين أفرادها، وتوزيع المناطق التي يتناوبون عليها، أما في أوقاتنا الحاضرة فقد بدأت هذه العادة تتلاشى، حتى أصبح المسحراتي يأتي في الليالي الأولى من رمضان، ثم يغيب فلا يظهر إلا مع هلال شوال من أجل أن يأخذ «العيديَّة».