ثقافة

هل فعلاً نحن متورطون باللغة؟!

اللغة تعبر عن الحياة الداخلية والمعرفة لمتحدثها (أرشيفية)

اللغة تعبر عن الحياة الداخلية والمعرفة لمتحدثها (أرشيفية)

نوف الموسى (دبي)

في الحب؛ تتعدد احتمالية الـ«الورطة»، فمثلاً يقول أحدهم: «تورط فلان باسم الحب»، ويقول آخرون: «لا يمكنه التراجع، لقد تورط عشقاً». في الموقف الأول ربما تشعر بحضور أزمة أو مشكلة، أما الموقف الثاني، أقرب إلى الانسيابية والهيام، إلا أنه في الاحتمالين، لا يوجد حباً بالمعنى الفعلي، ولكن سيادة تامة لـ «اللغة»، القادرة على بث غموض ساحر، يساهم بشكل غير اعتيادي على خلق الفكرة.
والسؤال المواجِه: هل نحن متورطون باللغة؟ إنما هو إعادة اكتشاف لـ كيف أن اللغة التي نتحدث بها، تشكل الطريقة التي نفكر بها، وهو بحث تثيره بشكل علمي ليرا بوروديتسكي، أستاذ مشارك في العلوم المعرفية في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، قالت فيه: «الجسر يعتبر في النحو الألماني مؤنثاً، ومذكراً في النحو الإسباني»، معتبرة أن متحدثي الألمانية على الأغلب سيصفون الجسر بـ«جميلة»، و«أنيقة» وهي صفات نسائية نمطية. في حين أن متحدثي الإسبانية على الأغلب سيقولون أنه «قوي» أو «طويل»، وهي صفات «مذكرة»، مؤكدة في بحثها أن ملاحظاتنا للغاتنا إنما تمنحنا فرصة لرؤية إمكانية التفكير بشكل مختلف، وما هي الأفكار التي نود خلقها، وأن جمال التنوع اللغوي، في كيف أن العقل البشري عبقري ومرن، لم يخلق إدراكاً معرفياً واحداً، بل الآلاف من اللغات المنطوقة حول العالم.
عالم اللغويات الأميركي إدوارد سابير ـ بالتعاون مع زميله عالم الأنثروبولوجيا واللغوي فرانز بواس، في عروضهم الخاصة بتطوير مفهوم «النسبية اللغوية»، أوضح أنه «لا يعيش البشر في العالم الموضوعي وحده، وليسوا وحدهم في عالم النشاط الاجتماعي كما هو مفهوم عادة، ولكنهم كلهم تحت رحمة اللغة الخاصة التي أصبحت وسيلة للتعبير عن مجتمعهم»، وذلك ضمن دراسة علمية نشرتها جامعة إدنبرة. واللافت هنا ما وصفه عالم اللغويات الأميركي إدوارد، «تحت رحمة اللغة»، فهي أي اللغة بحسب الفيلسوف فيلهلم فون همبولت، تعبّر عن الحياة الداخلية والمعرفة التي يتمتع بها متحدثوها، اعتماداً على البناء والسمة فيها، وأن اللغة البشرية هي منظومة قوانين. ما سيجعلنا مجدداً أمام قدرة متناهية في مراجعة تلك القوانين، والتساؤل الضروري حول أثر كسر تلك القوانين أو العمل بالتوازي معها، وأين يكمن فعل التمرد عليها؟!
الخطوة الأولى لقياس مدى التورط أو الإدراك الحقيقي، هي بمراقبتنا للغة أنفسنا بشكل أساسي، وإثارة جذورها البنيوية، والانتباه لتحولاتها في الإنسان، من بين تلك التجارب المثيرة في سياق تفاعلات اللغة والسلوك، ما اعتمد عليه عالم اللسانيات الأميركي بنيامين لي وورف، من خلال تخصصه في مجال مكافحة الحرائق، مقدماً تحليلاً للظروف الفيزيائية، ومن بين تلك الملاحظات هو كيفية تعامل الناس مع براميل البنزين، فالحذر يكون عند امتلائها، بالمقابل عندما تكون «فارغة»، يكونون أكثر إهمالاً نحوها، رغم أنها تحتوي على بخار شديد الانفجار، مفسراً الفعل السلوكي، بارتباطه باللغة وتحديداً كلمة فارغة، المرادفة لـ «غير نشط» أو خامل، أو حالة تحول دون النظر والاهتمام.
وبدورها تنقلنا التجربة مجدداً؛ إلى حاجتنا للتفكير: هل تتطلب لغة؟ حول ذلك يوضح غلين ستوك، باحث في مجالات العلوم والفيزياء والفلسفة عبر مقالة بعنوان: «هل نحتاج اللغة لنفكر»، أن «التفكير المجرد هو بالتأكيد شيء يمكن أن يفعله البشر. إنها طريقة سريعة للنظر في الأفكار باستخدام الرموز التي تمثلها. يمكن تحقيق التفكير السريع من دون لغة باستخدام أفكار مجردة»، وتقود أطروحة غلين ستوك، إلى السؤال حول أثر اللغة في طغيانها على الحواس الخمسة، أو إمكانية أنها حدت من تطورها، وبالتالي في حالة اختفى التعبير بالكلمات، سيرفع ذلك التركيز على التجربة الحسية الحدسية؟ رغم أن غلين ستوك، يوضح أن اللغة تساعدنا على التفكير الذي يقتصر عادةً على ما تسمح به اللغة المستخدمة.