دنيا

ماهر رائف: الصورة أشد دلالة من معاني الكلمات

 من أعمال التشكيلي أحمد ماهر رائف (من المصدر)

من أعمال التشكيلي أحمد ماهر رائف (من المصدر)

مجدي عثمان (القاهرة)

تحت عنوان «جماليات الكتابة العربية في القرن العاشر» قدم الفنان الرائد أحمد ماهر رائف، رسالته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة كولونيا بقسم تاريخ الفن للدراسات الشرقية، بألمانيا الغربية أواخر السبعينيات، وركزت الدراسة على الخطاط الشهير ابن مقلة، حيث درس بالألمانية نظرية الهندسة المستوية لإقليدس، وأثبت من خلالها العلاقة بين الهندسة والفلسفة عند ابن مقلة واقليدس، بعد تعمق في ترجمات ابن إسحاق، كما برهن على سبق إخوان الصفا، لرسم نسب الجسم البشري قبل عدة قرون من «الرجل الفيتروفي» أو شريعة التناسب أحياناً، لفنان عصر النهضة الإيطالية ليوناردو دافنشي، وجاءت نسبهم أكثر دقة منه، وهو المعماري والرسام والمخترع، وعالم النبات والجيولوجيا، والموسيقيّ والنحات، ودارس التشريح.ربما ساعده على اختيار ذلك الموضوع نشأته في أسرة متدينة، لجد من علماء الأزهر الشريف، وأب فنان تشكيلي ومدرس للفن، فجمع بين الاثنين، ما جعله يلتحق بكلية الفنون الجميلة، والتي تخرج فيها العام 1950، ثم نزع نحو الفنون الإسلامية أثناء بعثته الدراسية من العام 1956 وحتى 1961، في أكاديميات دوسلدورف وفوبرتال، وعاد أستاذاً بالفنون الجميلة، كما أنه قبل ذلك حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة العام 1954، وربما تأثره بالفلسفة، جعله يتبحر في فهم رسائل اخوان الصفا، فعند عودته من ألمانيا بدأ يدعو إلى استلهام التراث الإسلامي والخطوط العربية، لخلق علاقة متوافقة بين الفلسفة والتصوف، متأثراً باخوان الصفا وخلان الوفا في منهجهم، بربط الدين بالفلسفة، مبتعدين عن فكرة «من تمنطق تزندق»، وهدف بذلك إلى إيجاد علاقة متوازية بين هندسة الشكل وفلسفة الجوهر.بدأت رؤية رائف تتضح في أعماله، منذ منتصف السبعينات وحتى الثمانينات، بعد أن أدخل الحروف العربية والزخارف الإسلامية كمثير بصري فقط، حيث بدأ في صورة غير مقروءة وبعيدة عن أي مدلولات لمعاني الكتابات والحروف، ولكنها على نحو محدود، دون اللجوء لمدلولها اللفظي فتارة يزاوج بين الحروف والمساحات اللونية وتارة يخفيها في ثنايا التأثيرات والمساحات الملونة، وثالثة يبرزها ويؤكدها، ولكن في أعمال قليلة ومعدودة، ثم أتبعها حتى أواخر الثمانينات بأعمال تحولت فيها الكتابات داخل أعماله بصورة أكبر وأصبحت خاضعة لنظام بصري مقروء، فنلمح كتابات كلفظ الجلالة، ولكنها متجهة نحو التجريد بعيداً عن النص المكتوب، كما ظهرت في أعماله لتلك الفترة تنويعات من الخط الكوفي والخط الحر.اعتمد رائف فيما بعد تلك الفترة على قيمة جديدة لاستخدام الحروف والكتابات العربية بإسقاط كل القيم المجردة ليتمكن من كتابة آيات الله من كتابه الكريم، حيث نجد لوحات لفاتحة الكتاب، وسور البقرة وآل عمران. ولكن الحنين ومهارة اليد تعيده مرة أخرى، للوحات التي أساسها التشخيص، وعلل ذلك بقوله: إن الصورة المشخصة أي الصورة المضاهية للشيء المصور تعتبر أشد دلالة على المعنى من الكلمة المكتوبة، فهي تحمل معناها في ذاتها، فلا تلجأ إلى ترجمة هذا المعنى إلى لغة أخرى، إذا جاءت لغة هذه الكلمة المكتوبة، الأمر الذي يحدث في لغات البشر جميعاً، القديم منها والجديد.ورائف لم يكن لينكر رؤيته السابقة للموروث الجمالي الإسلامي بعودته إلى التشخيص، حيث استوحى خلال تلك الفترة أفكاراً ذات دلالة وخصوصية ترتبط بالتقديس، فهي من آيات كتاب الله من القرآن الكريم ومن القصص النبوي الشريف.