عربي ودولي

قطر تحاصر نفسها بالإرهاب

عثمان العمير والحمادي وجانب من الحضور خلال الندوة

عثمان العمير والحمادي وجانب من الحضور خلال الندوة

طه حسيب (أبوظبي)

افتتحت جمعية الصحفيين نشاطها الرمضاني، بأمسية حملت عنوان «قطر.. عام على المقاطعة» التي أدارها الإعلامي عبد الرحمن نقي أمين السر العام للجمعية، وشاركت فيها الدكتورة فاطمة الشامسي، نائب المدير للشؤون الإدارية جامعة باريس السوربون أبوظبي، والدكتور عبد الله جمعة الحاج أستاذ العلوم السياسية، وخالد عمر بن ققه الإعلامي الجزائري. وفي بداية الأمسية، ألقى محمد الحمادي رئيس مجلس إدارة الجمعية رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد» كلمة، قال فيها: «نحن بحاجة إلى هذه الفعالية بعد مرور عام تقريباً على أزمة قطر وليس أزمة دول المنطقة، ونناقش محاورها المختلفة وأبعادها السياسية والاقتصادية والإعلامية». بينما أشار «نقي» إلى أن قطر اتبعت سياسة المكابرة والتعنت طوال عام تقريباً، وكان لهذه السياسة تداعيات سياسية واقتصادية وكذلك إعلامية ثقيلة الوطأة على الدوحة، لأنها سياسة غير عقلانية وغير واقعية ونأمل أن تكون غير مستدامة.
وخصصت الأمسية أول محاورها لقراءة أوضاع قطر السياسية بعد عام من المقاطعة، وطرح عبد الله جمعة الحاج مداخلة، أشار، في مستهلها، إلى أن الدعم القطري لـ«الإخوان» غير واعٍ، وبالفعل تم تمكين التنظيم من التغلغل في مفاصل الحكم.. المعارضة القطرية إلى الآن لم تتبلور، واتضح في النهاية أن الأمور ليست كما نتوقعها، والمعارضة في الخارج منقسمة على نفسها، ولا توجد روابط بين أقطاب المعارضة والمعارضة الشعبية.

هدف مضحك
وأكد الحاج أن سلوكيات قطر الخارجية كثيرة، وكلها للأسف سلبية، ورأى الحاج أن الأمور لا تبشر بالخير طالما ظل النظام القطري في السلطة. وهي سلوكيات قال «الحاج»: «إنها تسير في اتجاه هدف استراتيجي واحد هو تمكين الإسلام السياسي في المنطقة العربية كافة، وإقامة ما يروج له «الإخوان» من دولة إسلامية، أو «دولة الخلافة» في نهاية المطاف، وتنصيب الأمير الوالد أو ابنه «خليفة جديد للمسلمين»». إنه «هدف مضحك»، على حد قول الحاج، ولا يستطيع أحد أن يستسيغه أو يستوعبه. الهدف هو تمكين «الإخوان» من اللعب بالشأن السياسي القطري الداخلي، وهذا أمر يفعله «الإخوان» بخبث، وبدأوا فيه منذ وقت مبكر، منذ الخمسينيات والستينات، ووصل القرضاوي إلى الدوحة قادماً إليها من الخرطوم، إلى أن أصبح للإخوان من يستجيب لهم ويجدون لديه آذاناً صاغية. والكل سمع تخريفات القرضاوي وفتاويه التي يدعم فيها الإرهاب، ويوضح أن «الإخوان» هم الذين يحكمون قطر، فتلك أجندتهم، وهذا هو طرحهم، ويسيّرون الأمور على هواهم بعد أن تمكنوا بخبث ودهاء من إقناع «الأمير الوالد» بأنه هو خليفة المسلمين القادم!
وأكد «الحاج» أن حُكام قطر يحاولون الآن تغيير الأزمة السياسية وتحويلها إلى الخارج، باختلاق الأزمات الثانوية لإشغال القطريين. وقال: ما نود تنبيه حكام قطر إليه: أن «الإخوان» لا يقرون فكرة الدولة الوطنية بمفاهيمها العصرية القائمة الآن في قطر ودول العالم العربي، ويقولون عنها إنها علمانية، فهل يدرك حكام قطر ذلك؟ وعليهم أيضاً إدراك أن هناك مشكلة كبرى في العلاقة بين الدولة الوطنية وفكر «الإخوان» تتجلى في صيغ أساسية رافضة للحكم الوراثي التقليدي الذي تقوم عليه الدولة في قطر. ولو أقيمت «الدولة الإسلامية» فإنه لا يوجد مكان في المطلق لأي حكم وراثي تقليدي، ولا لدولة وطنية بشكلها المعهود، وإدراك هذا المنطق يفترض أنه ينهي التفاهم الضمني والعملي بين «الإخوان» والنظام القطري إلى غير رجعة، لكن من الواضح أن النظام القطري يجهل هذا تمام الجهل.
ورأى الحاج أن سلوكيات قطر تقوم على مبادئ الفوضى الخلاقة الموجهة إلى زعزعة نظم الحكم في جميع الدول العربية التي وصل إليها العبث أو المال القطري. ولدى الحاج قناعة بأن قطر تواجه لحظة حقيقة مرة، فليس لها من خيارات سوى العودة والامتناع عما تقوم به، ويرى الحاج أن الحلول الأمنية، وقد تكون مستبعدة، مثل الخضوع لحصار بدلاً من المقاطعة، وهو سيناريو صعب وإلى الآن بعيد، ونأمل ألا يحدث، ويعود القطريون سريعاً إلى رشدهم. الحل الثاني: التغيير من الداخل، بمعنى حدوث انقلاب، أو اجتماع الأسرة الحاكمة، وأن تقرر إزاحة النخبة الحاكمة الآن من على كاهل القطريين ومن على كواهلنا، فالقطريون يعانون، ونحن نعاني بسبب بعد القطريين عنا الذي لا يسرنا ولا يفرحنا.

الاقتصاد القطري يتدهور
وتحدثت الدكتور فاطمة الشامسي عن مدى تأثر الاقتصاد القطري جراء المقاطعة التي مر عليها الآن قرابة عام. التأثير الاقتصادي كبير، فقطر دولة صغيرة، ولديها إمكانات متواضعة وموارد ناضبة تستخدمها حالياً في مواجهة أزمتها وتجميل واقعها. ورأت الشامسي أن هناك تحليلات أجنبية رصينة تؤكد أن الاقتصاد القطري في حالة تدهور ويعاني من تراجع كبير، وما يتم إعلانه للشعب القطري ما هو إلا تضليل، وجميع القطاعات الاقتصادية متأثرة، خاصة القطاع المالي والمصرفي، بسبب انعدام السيولة في ظل الأزمة، وسحب الودائع من المصارف، ما أضر بالأخيرة، وأدى إلى تدهور قيمة العملة. وأشارت الشامسي إلى أن الحكومة القطرية تستدين بفوائد عالية، ما أدى إلى مضاعفة المديونية العامة.. كما أن الحكومة القطرية التي كانت تتباهى بالصناديق السيادية، تسحب حالياً من هذه الصناديق كي تلبي احتياجات القطاع المصرفي، وتستجيب لمطالب البنك المركزي، وتشهد هذه الصناديق تراجعاً في احتياطاتها، علماً بأنها ضمانة لأجيال المستقبل.
وأكدت الشامسي أن هناك تباطؤاً في نمو الناتج المحلي الإجمالي في قطر، ليصبح 1.3% بعدما كان 2.2% عام 2016. والقطاع المصرفي القطري تضرر، وهناك أكثر من 30 مليار دولار خرجت منه. قطاع الإنتاج الصناعي تضرر، وكذلك الإنتاج السلعي، الحكومة بدأت تضخ الأموال وتستدين، ما فاقم عجز الموازنة العامة. وأشارت إلى تضرر قطاع النقل بسبب إغلاق الحدود، ووقف حركة الطيران، الذي كان يسعى لمنافسة طيران «الاتحاد» أو طيران «الإمارات»، كما شهد عدد الركاب انخفاضاً بنسبة 10 في المئة، وهذا أدى إلى تراجع الواردات ومن ثم التأثير على الاستهلاك المحلي في قطر، وارتفاع نسبة التضخم نتيجة نقص المعروض من السلع. وحسب الشامسي انكمش فائض التجارة القطري، بنسبة تزيد على 5% بعد زيادة سنوية تتجاوز 70%، وتراجع الفائض التجاري بقيمة 11 مليار ريال، واللجوء إلى تركيا وإيران للاستيراد منهما لن يحل المشكلة، بل فاقم من تكلفة الاستيراد التي زادت بمعدل 10 أضعاف، وهذا ما اشتكى منه وزير الخارجية القطري، واستخدم هذه النقطة لاستعطاف الدول الأوروبية. وتراجعت الودائع في المصارف، بسبب سحب مؤسسات خاصة كثيرة لودائعها، والبنوك القطرية بدأت تبحث عن زبائن جدد في آسيا وغيرها، وهذا أمر مكلف جداً. وبدأت البنوك تعاني من أزمة سيولة، ما أدى إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي القطري، وبدأ المقيمون وأيضاً القطريون، بسحب ما لديهم من ودائع، ما دفع الحكومة إلى تسييل استثماراتها في السندات العالمية، مثلاً تم تسييل استثمارات قطرية في السندات الأميركية، وتراجعت من 1.3 مليار دولار إلى 235 مليون دولار. تفاقم الدين العام وازداد حجم العجز في الموازنة، ولم تعد القروض كافية لتمويله، وتدهور سوق الأسهم، وعدد كبير من الشركات مني بخسارة، وأغلقت شركات أخرى، وانخفض مؤشر البورصة، وطالت الخسائر 38 شركة من أصل 45 شركة مسجلة في البورصة القطرية، وتراجعت أرباح هذه الشركات بنسبة 50% مقارنة بالعام الماضي. البنك الأهلي القطري تعرض لخسائر فادحة بسبب تراجع تصنيفه الائتماني. وترى الشامسي أن قطاع التشييد والبناء تضرر وانعكس ذلك على استعداد قطر لتنظيم مونديال 2022، القطاع شهد تعثراً بسبب مشاكل النقل، بل أصيب بشلل جراء إغلاق المجال الجوي والطرق، ما أثر على أرباح شركات المقاولات، وبدأت تطالب بزيادة في تكلفة التشييد. ولفتت الشامسي الانتباه إلى أن سوق العقارات القطري سجل هبوطاً كبيراً، فبعد مبيعات بلغت 830 مليون دولار في عام 2017 تراجعت المبيعات إلى 318 مليون دولار في 2018.
وهناك توقعات اقتصادية تطرقت لها الشامسي، منها احتمال نزوح 35 مليار دولار من النظام المصرفي، ولن تكون الاحتياطات المالية كافية للدفاع عن الريال القطري في الأجل الطويل. الأزمة القطرية تستوجب إعادة النظر في المناطق الحرة الثلاث التي سعت الدوحة لتدشينها، منذ عام 2011 تسعى الحكومة القطرية إلى تقييد الإنفاق العام لتقليص العجز المالي من خلال خطة تقشفية من عام 2018 إلى 2022، وهدف الخطة تخفيض العجز المالي ليصبح 21.2? من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 32.6%.
ونوّهت الشامسي إلى أن عدم قدرة قطر على تقليص العجز المالي أو الوفاء بالالتزامات الطارئة الكبيرة سيضع مزيداً من الضغوط على الأصول السيادية للدوحة. كما تؤكد التحليلات الاقتصادية أن الضبابية، حسب مؤسسة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني، تكتنف التأثير المالي والاقتصادي الكامل لمقاطعة قطر وقد يكون التأثير أكبر مما نتوقع حالياً.

النظام القطري «خلية نائمة»
وحول المشهد الإعلامي خلال عام من المقاطعة، أشار الإعلامي الجزائري خالد بن ققة، إلى أنه في شهر سبتمبر ذكرت قناة العربية أنه خلال 3 شهور فقط من الأزمة، أنتجت وسائل الإعلام القطرية 20 ألف مادة خبرية وتحليلية مفعمة بالأكاذيب. وقال بن ققة: «إن الحديث يدور حول معركة أخيرة لـ«الإخوان».. طالما أنهم وجدوا من خلال التجربة المصرية أن الإشكالية الحقيقية لديهم هي الإعلام. وهناك ملمح يتمثل في أننا نكاد نخاطب أنفسنا في هذه الأزمة». النظام القطري يذهب بعيداً في الإعلام اللاأخلاقي، في حين لا تستطيع الدول الخليجية مجاراته في هذا الاتجاه». «الجزيرة» تتبنى خطاباً «دينياً»، وهناك من يسعى إلى توظيف المفردات بطريقة تؤثر على الجمهور. وإذا أردنا أن نصف قطر فعلينا اعتبارها «خلية نائمة» لكن على مستوى دولة وليس جماعة أو تنظيماً. وبرغم التغطيات الإعلامية في دول المقاطعة الأربع، والتي تلتزم مقاربة أخلاقية، فإن التعامل الإعلامي الذي ينتهجه القطريون ينتهج مسارات تؤول به إلى نتائج غير أخلاقية. نحن أمام خطاب غير أخلاقي يبثه الإعلام القطري، ليعكس أن قطر خلية نائمة تتحرك. قطر من 1996 إلى الآن دولة مختصرة في قناة تلفزيونية، الدوحة تبث خطاباً يهدف لحالة من الفوضى. خطاب يروج للعنف وتكسير صورة أي بطل يحظى بقبول اجتماعي، وهذا ما يفسر تطاول الإعلام القطري على قيادات خليجية كبيرة. وعلى طول السنوات التي مرت، وبرغم أدوار قامت بها قطر للوساطة في بعض النزاعات داخل المنطقة، فإنها تبث حالة من الفوضى يتم توظيفها في أجندة خارجية.
وفي ظل طغيان منطق المصالح الوطنية على حساب المشتركات القومية والإقليمية، يحاول الإعلام القطري استغلال حالة فوضى التحالفات في المنطقة بين أطراف لها علاقة بتركيا وإيران في آن معاً، ولديها في الوقت نفسه علاقات بأميركا وروسيا! ورأى بن ققة أن هناك قضية أساسية تتمثل في أن قطر يحارب من أجلها إعلامياً كل من تدعمهم.
علينا أن نعترف أن الإعلام ليس سابقاً على الفعل السياسي، وربما تكون الأزمة مفيدة لأنها كسّرت الحواجز، وهناك مياه راكدة تحركت، الآن لدينا خطاب نقدي، والمساحة التي كانت متاحة للصحافة الغربية باتت متاحة الآن أيضاً للإعلام العربي، والآن هذا الأخير بات أكثر تحدياً في تناول قضايا مثل إيران، أميركا، وإسرائيل.
الخطاب الإعلامي الراهن يصر على «حوار مع الذات»، ففي الدول الأربع التي تقاطع قطر، علينا مراجعة الخطاب الإعلامي والبحث عن بدائل له، والتركيز على تصدير الفكر الإيجابي في السياق المحلي عبر الإعلام، ومن ثم تصديره للعالم، فالتعاون الخليجي مثل اتحاد دولة الإمارات قائم على أساس المحبة. محبة، تحقق -حسب بن ققة- المصلحة الوطنية والقومية. ولا ينبغي أن يسحبنا النظام القطري بعلاقاته ومصالحه إلى مجال الكراهية.