عربي ودولي

تقرير سري يفضح دور قطر في تنصيب «فرماجو» رئيساً للصومال

دينا محمود (لندن)

كشفت وسائل إعلام صومالية النقاب عما وصفته بتقريرٍ استخباراتي سريٍ، يُميط اللثام عن الكيفية التي وصل بها الرئيس محمد عبد الله فرماجو محمد إلى سدة الحكم، وذلك بمساعدةٍ مباشرة من قطر وعملائها في منطقة القرن الأفريقي. وفسر التقرير أسباب التصرفات الاستفزازية التي أقْدَمَ عليها فرماجو خلال الشهور الماضية، وحدت بالإمارات إلى إنهاء المهمة التدريبية لقواتها في الصومال، التي اضطلعت بها بموجب مذكرة تفاهمٍ وُقِعت بين البلدين عام 2014، وتولت بمقتضاها تمويل وإدارة برنامجٍ تدريبيٍ لقوات الأمن، تكفلت في إطاره برواتب 2407 جنود صوماليين، وأدارت ثلاثة مراكز تدريب لقوات مكافحة الإرهاب.
ونشرت صحيفة «سونا تايمز» الصومالية المستقلة مقتطفاتٍ من التقرير، الذي أشارت إلى أنه يسلط الضوء على العلاقات الوثيقة التي تربط بين فرماجو وفهد ياسين مدير ديوانه الرئاسي والمراسل السابق لشبكة «الجزيرة» القطرية. وأشارت إلى أن «ياسين» الذي يشغل منصبه في القصر الرئاسي الصومالي المعروف باسم «فيلا صوماليا» منذ يونيو العام الماضي «لا يزال يحتفظ بروابط وثيقة مع متطرفين سابقين» في البلاد، منذ كان واحداً منهم قبل أقل من عقدين من الزمن.
ووصل «ياسين» إلى هذا المنصب بعد أقل من ثلاثة أشهر على انتخاب فرماجو رئيساً للصومال مُتغلباً على الرئيس السابق «حسن شيخ محمود»، بفضل مؤامرة حاكتها السلطات القطرية، وأوكلت تنفيذها إلى المسؤول الرئاسي الحالي، الذي كان من قبل عضواً في ما يسمى جماعة «الاتحاد الإسلامي» المسلحة خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ شارك في ذلك الوقت في معارك دموية خاضتها الحركة الإرهابية، في مناطق صومالية عدة، من بينها بوصاصو وجِدّو.
وسرد التقرير تفاصيل عملية تنصيب فرماجو في «فيلا صوماليا»، دون اكتراث بمصالح الشعب الصومالي نفسه، قائلاً إن المخطط وُضِعَ إثر خيبة أمل النظام القطري في الرئيس السابق، الذي كان قد تقلد منصبه عام 2012، بدعمٍ ماليٍ من جانب «فهد ياسين»، ولكنه سرعان ما نأى بنفسه عنه بسبب الشكوك العميقة التي كان «شيخ محمود» يُكِنَها تجاه «ياسين»، وكذلك بفعل رفضه للجهات التي يعمل المراسل السابق لـ«الجزيرة» لحسابها.
وأشار التقرير إلى أن «نظام الحمدين» فشل في حمل الرئيس الصومالي السابق وقتذاك على دعم سياساته التخريبية والطائشة، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في استراتيجيته حيال منظومة الحكم في مقديشو، ووضع استراتيجية أخرى تقوم على اختيار رئيس، يجعل أولويته الأولى تحقيق المصالح القطرية. وأوضح أن الأداة الرئيسية للدولة المعزولة في هذا الصدد تمثلت في «ياسين»، الذي عَمِلَ على انتقاء سياسي موالٍ للدوحة ليشغل منصب الرئاسة في مقديشو، ليقع اختياره على فرماجو، الذي كان قد أُطيح به من منصب رئيس الوزراء منتصف عام 2011 بموجب اتفاق كمبالا، الذي توصل إليه الرئيس الأسبق «شريف شيخ أحمد» ورئيس البرلمان آنذاك «شريف حسن»، من أجل إنهاء خلاف كان ناشباً في تلك الآونة بين مسؤولي السلطة الانتقالية في الصومال.
وأفاد التقرير أن «فرماجو» سعى إلى الاستفادة من الشهرة التي حظي بها عقب استقالته هذه، بالتوازي مع توثيق الإرهابي السابق المدعوم من قطر علاقاته معه، إلى حد أنه حاول إقناع «شيخ محمود» بتعيينه رئيساً للوزراء، وهو ما باء بالفشل في نهاية المطاف «لينشب صراعٌ سياسي متعدد الجبهات بين ياسين وصديقه القديم في جماعة الدم الجديد التي كانت تحكم الصومال في ذلك الوقت». وأشار إلى أن رأي «ياسين» -دمية قطر في «فيلا صوماليا»- استقر بعد ذلك على اختيار «فرماجو» مرشحاً للرئاسة عقب انتهاء فترة رئاسة «شيخ محمود»، كما اختار «حسن علي خيري» كمرشحٍ لرئاسة الحكومة، وذلك بالتزامن مع انهماك مسؤولي «نظام الحمدين» في وضع خطةٍ لـ«تسهيل إجراء محادثاتٍ بين حركة الشباب (الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة) والحكومة الفيدرالية الصومالية.
وقالت وسائل إعلام صومالية إن هذه الجهود القطرية المشبوهة، دفعت مجموعة مراقبة تابعة للأمم المتحدة إلى إصدار تقريرٍ يتهم «علي خيري» -الذي يتولى حاليا رئاسة الحكومة في مقديشو- بإقامة صلاتٍ مع «الشباب»، الإرهابية التي تسعى -للمفارقة- لإسقاط الحكومة المعترف بها دولياً في الصومال. وألقى التقرير الضوء على تشكيل «ياسين» بعد ذلك فريقاً من زملائه القدامى من عناصر جماعة «الاتحاد الإسلامي» المسلحة الإرهابية، لتولي إدارة الحملة الانتخابية لـ«فرماجو»، ليُكافأ هؤلاء المتشددون بعد ذلك، بمنحهم مناصب مرموقة في إدارة «فرماجو» وحكومة «خيري».
وضرب التقرير أمثلةً على ذلك، باختيار «بلال محمد عثمان» مستشاراً للرئيس الصومالي لشؤون السياسة الخارجية، و«عبد الشكور علي مير» عضواً في البرلمان الفيدرالي، و«جما عبد الحي محمد» سفيراً للبلاد لدى تركيا، و«سعيد عيد» و«سعيد حسين» للانضمام إلى الحكومة الصومالية، فضلاً عن إسناد منصب نائب مدير الديوان الرئاسي في «فيلا صوماليا» إلى «عبد الرزاق شولي»، وهو من فريق المتطرفين السابقين الذين استعان بهم «ياسين» في تلك الفترة.
وفي إطار المؤامرة القطرية التي تولى «ياسين» تنفيذها لضمان وصول «فرماجو» إلى قمة السلطة في الصومال، جرى التواصل مع عددٍ من أركان حملة «حسن شيخ محمود» في انتخابات 2012، بهدف استمالتهم لدعم المرشح المنافس المدعوم من الدوحة، مقابل منحهم وعوداً بتولي مناصب قيادية في القيادة الجديدة، وهو ما استجاب له مسؤولون من أمثال «خيري» نفسه، و«ثابت عبدي محمد» العمدة السابق لمقديشو، و«جمال محمد حسن» وزير التخطيط وقتذاك، و«عبد الرشيد محمد» وزير النفط.
وحذر التقرير من الخطر الذي تُشكّله أنشطة «ياسين» على جهود إرساء الاستقرار في الصومال، قائلاً إن هذا الرجل -الذي تلقى تدريباتٍ على يد الاستخبارات القطرية قبل سنوات- بات قائداً لمجموعة من أعوانه ممن ساعدوه على إيصال «فرماجو» إلى «فيلا صوماليا»، ويستغل «الأموال القطرية لتحقيق أغراضٍ سياسية» على الساحة الصومالية الحافلة بالتوترات. وقال إن المراسل السابق لـ«الجزيرة» في مقديشو: يضمن كذلك ولاء 70 من نواب البرلمان الصومالي ممن صوّتوا لصالح فرماجو خلال الانتخابات التي جرت في فبراير 2017، ويدفع لهم رواتب شهريةً تتراوح ما بين 3000 و4000 دولار، في محاولةٍ للإبقاء على نفوذ القصر الرئاسي قوياً في شؤون البرلمان.
وبحسب التقرير، ينفق «ياسين» الأموال من دون حساب ودون الخضوع لمحاسبة أو رقابة من قبل الحكومة في مقديشو، كما أنه يتخذ مواقف معارضة للنظام الفيدرالي في الصومال، وللجهود الرامية إلى إعادة بناء الجيش الصومالي، وكذلك لوجود قوة الاتحاد الأفريقي «أميسوم» المدعومة من قبل الأمم المتحدة في البلاد. وأشار إلى أن هذا الرجل «منح مباركته لتشكيل مجموعةٍ متمردة يقودها «مختار روبو» نائب القائد السابق لحركة الشباب، والذي كان أيضاً متحدثاً باسم الحركة». وقد انشق هذا القيادي الإرهابي -الذي يُعرف باسم «أبو منصور»- مؤخراً عن «الشباب»، وانضم إلى الحكومة الصومالية، لكنه اختار القتال ضمن جماعة مسلحة وليس في صفوف الجيش الوطني.
وخلص التقرير إلى أن عميل قطر في القصر الرئاسي الصومالي يعمل في الوقت الراهن، على اختيار رئيس جديد لوكالة الاستخبارات الصومالية، أو نائبٍ جديدٍ لرئيس الوكالة، في مسعى لتشكيل «فريق تجسس قطري التمويل وإيراني التدريب، من أجل تحقيق (أهداف) أجندة الدوحة الخفية في الصومال». وألمح إلى أن اختيار النظام القطري لـ«ياسين»، جاء بفعل «علاقاته الوثيقة بحركة الشباب الإرهابية»، مُشيراً إلى أن هذه الروابط بلغت حد إقامة صلاتٍ وثيقة مع كبار قادة هذه، ومن بينهم زعيمها الروحي القتيل «أحمد عبدي جودان»، و«حسين ضاهر عويس» والشيخ «معلم برهان»، وهو ما أدى إلى أن يصبح «ياسين» في ما بعد مسؤولاً عن تسهيل وصول التمويل القطري لتلك الجماعة.