ألوان

«farewell arabia».. توثيق لسيرة وحكمة وكفاح زايد

زايد الحكيم والقائد والمؤسس

زايد الحكيم والقائد والمؤسس

د. سمير الضامر

باحث في الدراسات الثقافية والفلكلور الشعبي

لم يرحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عن القلوب، بل سكن في شغافها وتمكن من شرايينها، ليس هو الرجل السياسي فحسب، بل ارتبطت معه شيم العروبة ومكارم الأخلاق والإنسانية، واجتمعت فيه شمائل كثيرة قلما تجتمع في أحد إلا أن يكون قائداً كبيراً، مثل المؤسس والملهم زايد الذي وضع بصمته في أرجاء العالم.

إذا كان الناس قد عشقوا زايد لما له من فضائل وشمائل، فما بال الكاميرا، التي أحبته هي الأخرى، والتصقت به في العديد من المناسبات التوثيقية الرسمية والشخصية. لقد رأت الكاميرا الوثائقية في زايد شخصية عربية، وبطلاً شعبياً رائعاً، كأبطال التاريخ والتراث العربي العريق، فكان هو المحور والمركز لأحد الأفلام الوثائقية العالمية بعنوان (farewell arabia)، وهو الفيلم الذي أنتجته أربع جهات عالمية هي: the international television federation، australian broadcasting commission، canadian broadcasting corporation، وnational educational television.

جماليات اللقطة

تكمن أهمية الفيلم الوثائقي (farewell arabia) الذي تم إنتاجه في الستينيات الميلادية من القرن العشرين، في كونه وثيقة أنثروبولوجية وتاريخية وشعبية وسياسية لمنطقة مهمة من مناطق العالم، وهي دولة الإمارات قبل قيام الاتحاد، وكل عنصر من هذه العناصر المعرفية، التي التقطها ووثقها الفيلم، هي قابلة لتكون موضوع دراسات وقراءات، وهي على الرغم من مكانتها وجمالياتها في الفيلم، إلا أنها كانت بمثابة المسرح، الذي تحركت من خلاله اللقطات لتوثق سيرة وكفاح وحنكة الوالد زايد.

الفيلم يتميز بالنص الثقافي المفعم بالعديد من الجماليات الطبيعية الإنسانية، وبالعديد من مظاهر الأنثروبولوجيا الشعبية، ففيه العادات والتقاليد، والفنون والأهازيج الشعبية، والملابس والأزياء التقليدية للرجال والنساء، والحِرفْ وفنون العمل والتجارة، واللهجة وطرق الكلام والحديث ولغة الجسد، ونصوص سمعية مدهشة متداخلة، ونصوص دينية كآيات القرآن الكريم بصوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد، وصوت الأذان للصلاة، وأصوات الناس في الأسواق والطرقات والمخيمات، وأصوات الجِمال والرياح والبحر وعمال المصانع واستخراج النفط، كل هذا وغيره جعل الفيلم مملوءًا بالجماليات الفنية التي تدهش الباحث والمتابع للتاريخ والتراث.

لقطات وثنائيات

حفل الفيلم الوثائقي، بالعديد من اللقطات الجميلة الذكية المفعمة بالدلالات، ومنها: ثنائيات الصحراء والمدينة.. ثنائيات الماء والحياة.. ثنائيات الرجل والمرأة.. ثنائيات الجِمال والسيارات.. ثنائيات الخيمة والبناء المعماري، ثنائيات الطّير والرَّجل. ومن اللقطات الجميلة في الفيلم: لقطة في المقناص: الطَّير الحر، ثم تليها لقطة للوالد زايد على المائدة، إذا كانت لقطة: (الطير الحر يقطع اللحم ويأكل).. ثم تليها لقطة: (الشيخ زايد يقطع اللحم ويطعم من حوله من الرجال)، وهذه مقابلة شكلية ما بين الطير الحر والشيخ زايد، في الجَمال والسرعة والصبر والمقاومة، فإن الشيخ زايد يتفوق على الطير الحر في الجانب المعنوي، فالطير الحر قطّع اللحم لنفسه، بينما الشيخ زايد قطّع اللحم ووزع على رجاله.

وفيلم (farewell arabia)، يجعل من التاريخ الشعبي الإماراتي مسرحا لأحداث سرد سيرة الشيخ زايد وتعاملاته وتطلعاته، بمعنى أن هذا الفيلم هو مزيج من شخصية رجل قيادي بنى دولة حديثة رائعة ورائدة في مجالات متعددة، وتوليفة رصد للكثير من الظواهر الشعبية الاجتماعية بكل أبعادها الأنثروبولوجية والدينية، وعلاقاتها بالإنسان وأماكن وجوده في الصحراء والبحر والريف.

شيخ العرب

رصد الفيلم الوثائقي جانباً من سيرة وحياة وإدارة الشيخ زايد، وتطلعاته لبناء الدولة الحديثة، وهذا الرصد كان من خلال انتقال العدسات من مكان إلى آخر، لرصد واقعية الحياة الطبيعية والإنسانية والاجتماعية التي عاشها الوالد زايد وشعب الإمارات في فترة ما قبل تأسيس الاتحاد، ومن جماليات الفيلم أنه يرصد بشكل مباشر وطبيعي لا تَصنُّع فيه، وكل من يشاهد الفيلم سيشعر بقربه الوجداني والإنساني من سيرة زايد وشعب الإمارات، خصوصاً أن حياتهم هي حياة متقاربة ومشابهه لكثير من شعوب الخليج والجزيرة العربية في سنوات ما قبل اكتشاف النفط.

ومن جماليات الفيلم أيضاً، وجود صوت الراوي الذي يعلق على المشاهد واللقطات، ذلك الصوت الأجنبي الفصيح في نطقه للغة الإنجليزية، وهو بذلك يذكرنا بأفلام الموسوعة البريطانية أيام طفولتنا في المدارس الابتدائية، وصوت الراوي ممتع بالنسبة لنا نحن العرب المأخوذون بصوت الراوي الذي يروي الثقافة والقصص على مدى تاريخنا الطويل، ومن هنا تكمن جماليات رواية قصة الشيخ زايد العربي، بصوت غير عربي، بما يوحي بدلالات رائعة في المثاقفة والممازجة بين الثقافات حول العالم.

ويكمل راوي الفيلم سرده ويؤكد على أن الشيخ زايد رجل عربي صميم، وأنه ابن الصحراء بكل ما فيها من قسوة وعناد وجفاف، لكن هذه القسوة استطاع من خلالها الوالد زايد تغيير صورتها الذهنية لدى الغرب.. إنها ليست كما يرونها في أدبياتهم، بل هي مصدر من مصادر الخير والعيش والإلهام إذا أحسن الإنسان التفكير والتخطيط للارتقاء بها.

دلالات واقعية

سيميولوجيا المشهد الأخير تظهر دلالاتها الواقعية والرمزية في وقت واحد، فالشجرة هي رمز للوطن أو الدولة، وهي رمز الحياة والخلود، والالتفاف حولها هو التفاف حول الوحدة والترابط، والسلاح المُعلَّق على الشجرة هو رمز القوة والدفاع عن الوطن والإنسان، لنكتشف أننا أمام فيلم مدهش مليء بالعديد من الموروثات التاريخية والثقافية والشعبية.