تقارير

إذا شاع الوهم.. ضاع الفهم!

يلعب «الإخوان» ومن والاهم على البسطاء والسذج لعبة الأحلام، وما يسمونه الرؤى - ولعبة الأحلام والرؤى إحدى ألعاب كثيرة مارسها «الإخوان» طويلاً لاجتذاب المجوفين فكرياً، ومن لديهم الخواء الوجداني والعقلي - ومن هذه الألعاب الدجل الديني بالأحجبة والرقيات، وما يسمونه إخراج الجن ومنع الحسد وصد العين - والحق أنهم نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً وخطفوا الشارع العربي وسيطروا على عقول لا وجود لها أساساً. وكل الذين ينتمون إلى «الإخوان» عقلياً أو وجدانياً ونفسياً يديرون حياتهم بالأحلام، وما يسمونه الرؤى والأحجبة والتعاويذ، حتى صار الشارع العربي كله أو جله مغيباً تماماً عن الواقع. وكما يكذب «الإخوان» ومن والاهم في السياسة يكذبون في الدين أيضاً. ونجحوا بامتياز في تسويق أكاذيبهم السياسية والدينية وأوهامهم التي يسمونها أحلاماً ورؤى، لذلك نجد معظم أنصارهم والمتعاطفين معهم من النساء؛ لأن المرأة أكثر ميلاً إلى الأوهام والدجل ولعبة الأحلام والأوهام والرؤى. وإذا تعاطفت المرأة مع «الإخوان» ومن والاهم من بعض السلفيين، فكن على يقين بأن أبناءها سينشؤون على المنوال نفسه، وربما زوجها أيضاً وأسرتها كلها. فالطفل لا يعرف من الدين إلا ما يتلقاه عن أمه. ولا يستطيع أن يُفرق بين الكذب والصدق وبين الخرافة والحقيقة - لذلك ينشأ الأبناء على الخرافة والدجل ويصبح الكذب والدجل منهجهم في الحياة أياً كان اتجاههم ووجهتهم.
والنساء هُنّ الحصن المنيع الذي أوتيت منه الأمة كلها - فإذا أراد مريد أن يسقط هذه الأمة، فليكن غزوه لها من حصن النساء - وقد كان ذلك فعلاً - غزانا الغرب من حصن النساء، وغزانا الإرهاب من حصن النساء. فسقطت الأمة بين شقي رحى لا ترحم وتطحن بلا هوادة - شق التغريب وشق الإرهاب - فصرنا بين تطرفين قاتلين - تطرف التفريط وتطرف الإفراط، تطرف التغريب وتطرف التخريب - والنتيجة واحدة هي ضياع الهوية.. وفقدان البوصلة - فلا نعرف إلى أين نتجه.
ورغم تناقض ظاهر بين التغريب المفرط والتخريب المتطرف - فإن الهدف دائماً واحد - وهو ضرب الهوية والانتماء والولاء للأوطان.. فلا أحد من الفريقين يولي وجهه شطر الأوطان - ولكن كلاً منهما يولي وجهه شطر الغرب أو شطر أوهام الخلافة والإرهاب - وكل من الاتجاهين يقدم خدمات جليلة للآخر - فالإرهاب باسم الإسلام والدجل باسم الدين، أدى إلى شيوع الإلحاد والزندقة على قاعدة أن الدين هو أفيون الشعوب أو هو سبب الفرقة والخلاف والصراع.. وشيوع الإلحاد ورفض الدين والتجاوز في حق الأنبياء والصحابة أدى إلى شيوع الإرهاب والتطرف الديني بزعم محاربة الملحدين والمرتدين والزنادقة - فكل من الاتجاهين استخدم الآخر للترويج لنفسه وضم أنصاراً جدداً من هؤلاء السوقة الذين لا يعرفون الحوار والمناقشة والمنطق - وأسهل شيء عندهم هو ترك الأمر الذي يروق لهم - فالملحدون والزنادقة غير قادرين على مناقشة ظاهرة الإرهاب والفصل بينها وبين الدين فيتركون الدين كله. والإرهابيون غير قادرين على مناقشة ظاهرة الإلحاد والربط بينها وبين الخواء الفكري - فيرفضون كل ذلك ويتهمون من ليس معهم بالكفر والإلحاد والردة. إنه التطرف العربي يا قوم - التطرف يساراً أو التطرف يميناً - التطرف مع الشيء أو مع نقيضه وضد الشيء ونقيضه. والعربي لا يعرف سوى أنه يقبل أو يرفض. يقبل الأمر كله أو يرفض الأمر كله وبين تطرف الرفض وتطرف القبول. لا يعرف كيف يحاور أو يعارض أو يناقش - دائماً هو مبدأ الكل أو لا شيء، لذلك قلت وأقول: لا توجد في أمة العرب معارضة وإنما يوجد رفض، فالمعارضة إن تطرح بديلاً لما ترفض والرفض أن تقول لا ثم تسب وتلعن من ترفضه أو ما ترفضه؛ لذلك ارتبطت المعارضة في أمة العرب بالسب والقذف واللعن والشتم، ثم ارتبطت بالترويع الحركي - الضرب والذبح والحرق - وهو ما نسميه زوراً وكذباً المعارضة المسلحة - والمعارضة المسلحة دوماً مرتبطة بالإسلام والدين، والذبح بهتاف «الله أكبر» - أي الذبح الشرعي في رأيهم الأهوج والأعوج.
ومصطلح المعارضة المسلحة لا وجود له إلا في أمة العرب - وهو جمع بين مصطلحين أحدهما سياسي والآخر عسكري وهما لا يجتمعان أبداً - فالمعارضة مصطلح سياسي والمسلحة مصطلح عسكري - وإذا حملت المعارضة السلاح صارت إرهاباً بلا اسم آخر - وإذا تخلت عن السلاح صارت عندنا مجرد رفض بلا اسم آخر - ولو كانت هناك معارضة حقيقية في أمة العرب ما حملت السلاح - لأن المعارضة والنظام ليسا ضدين، بل هما طائر بجناحين - أي أن المعارضة الحقيقية في العالم كله هي معارضة داخل الصورة وداخل الإطار، أما ما يجري في الأمة العربية، فهو رفض مطلق للصورة كلها والخروج الكامل عن إطارها...
وهكذا نجح «الإخوان» ومن والاهم في فرض مصطلحاتهم وأكاذيبهم وأوهامهم على الناس - وأكثر الرؤى تداولاً بين «الإخوان» ومن والاهم منذ حسن البنا مروراً بعبد الرحمن السندي، وسيد قطب، وزينب الغزالي وإخوان كل الدول العربية هي رؤياهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول لهم: اثبتوا أنتم على الحق.. وأنا معكم - أو هو يقدم المخلوع محمد مرسي لإمامة الصلاة ويصلي خلفه في ميدان رابعة، ثم يبشر المعتصمين في رابعة بأن محمد مرسي سيعود إلى قصر الرئاسة رئيساً يوم السبت في العصر. ويهتفون: «يوم السبت العصر - مرسي يكون في القصر» ويهتف السذج خلفهم: الله أكبر ولله الحمد... ولم يسال أحدهم نفسه بعد مرور ألف سبت وألف عصر: متى يأتي السبت؟ ومتى يأتي العصر؟
هؤلاء يكذبون حتى يصدقوا أنفسهم ويصدقهم السذج، وهكذا تفعل قطر التي يدير أمرها الإخوان بنسختيهم الشيعية والسُنية. فهي تكذب حتى تصدق نفسها - وتروج أكاذيبها في العالم كله بلا جدوى وعندما ولت دول المقاطعة وجهها بعيداً عن أزمة قطر وتركتها تمضي في غيها. تسعى قطر إلى أن تعود إلى الواجهة بأكاذيب جديدة وأوهام ربما تخرجها من مأزقها وهاويتها التي وضعت نفسها فيها. ولكن هيهات - كما يفعل «الحوثيون» وهم النسخة الإيرانية من «الإخوان» - كلما تفاقمت أزمتهم ومأزقهم لجأوا إلى الأكاذيب والأوهام والدجل والأحلام. وربما هم يرون في منامهم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: اثبتوا فأنتم على الحق - أو ربما يرون المهدي المنتظر أو أي شخص يبشرهم بالنصر. وهكذا «إذا شاع الوهم ضاع الفهم»!

*كاتب صحفي