عربي ودولي

قطر تنفق 1.7 مليار دولار شهرياً لـ«تبييض السمعة»

دينا محمود (لندن)

كشفت صحيفة «دَيلي مَيل» البريطانية عن المزيد من الوثائق الحكومية الأميركية التي تثبت أن قطر سارعت فور فرض الإجراءات الصارمة عليها من جانب الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في يونيو 2017، إلى إبرام تعاقدٍ دفعت بموجبه 200 ألف دولار لشركةٍ ذات صلة بالمحامي الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محاولةٍ يائسةٍ للتأثير على موقف البيت الأبيض من الأزمة. وأشارت في تقرير إلى أن هذه الأموال لم تكن سوى جزء من ميزانيةٍ باهظة، بلغ حجمها 1.7 مليار دولار على الأقل شهرياً، خصصها «نظام الحمدين» للإنفاق على الجهود الدعائية المستميتة الرامية لتبييض صورته على الساحة الأميركية، في ظل توالي الكشف عن الأدلة التي تثبت تبنيه سياساتٍ طائشة وتخريبية.
وقال التقرير الذي أعده ريان باري مراسل «دَيلي مَيل» في الولايات المتحدة بالمشاركة مع الصحفي جوش بوزويل، إن هذه الأموال الطائلة تُنفق على ما لا يقل عن 6 شركاتٍ تعمل في مجال الدعاية وتكوين جماعات الضغط في واشنطن وحدها، بالإضافة إلى عددٍ آخر من الشركات والمنظمات ذات الأغراض المشابهة الموجودة في مدنٍ أخرى. وكشف عن أن التعاقد الذي أُبرِمَ بين النظام القطري والشركة المرتبطة بـ»مايكل كوهين» المحامي الشخصي لترامب، جرى في يوليو 2017 أي بعد شهرٍ واحد فقط من بدء «الرباعي» مقاطعته للدوحة.
وأشار إلى أن الشركة التي تحمل اسم «ماكدرموت ويل أند إيمري» مملوكةٌ للمحامي ستيفن ريان، الذي كان كوهين قد تعاقد معه قبل ذلك بشهر واحدٍ فحسب، للحصول منه على مساعداتٍ قانونية تكفل له التعامل بنجاح مع التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص روبرت مولر، في الادعاءات الخاصة بوجود تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2016.
وأبرزت «دَيلي مَيل» وثائق صادرة عن وزارة العدل الأميركية تكشف عن أن التعاقد الذي أبرمه «نظام الحمدين» مع هذه الشركة يقضي بحصولها على 40 ألف دولار شهرياً مقابل تقديم خدماتها للسلطات القطرية. وأظهرت الوثائق أن اسم ريان - المحامي المرتبط بكوهين - ذُكِرَ بوصفه أحد الشركاء العاملين في مجال الترويج لسياسات قطر، وممارسة ضغوطٍ لصالحها على الساحة الأميركية. كما أظهرت الوثائق أن «ماكدرموت ويل أند إيمري» حصلت من الدوحة على نحو 200 ألف دولار، وذلك في الفترة ما بين إبرام التعاقد وحتى ديسمبر الماضي، وذلك نظير تقديم خدماتٍ تتعلق بحشد التأييد لصالح دولة قطر، ووضع استراتيجيةٍ إعلامية خاصة بها في الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن الوثائق الحكومية الأميركية إشارتها إلى أن شريكاً لمالكها، ويدعى جيمس موران وهو عضوٌ سابق في الكونجرس سعى لإقناع زميلٍ سابق له في المؤسسة التشريعية في الولايات المتحدة، للقاء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في سبتمبر 2017، كجزءٍ من الخدمات المُقدمة للعملاء القطريين. كما تضمنت مساعي شركة «ماكدرموت ويل أند إيمري» إجراء نقاشاتٍ مع أربعة من أعضاء مجلس النواب الأميركي، حول إمكانية تقديم الدوحة «هبةً» بقيمة 30 مليون دولار إلى منكوبي السيول في الولايات المتحدة، في سياق المساعي القطرية المحمومة لإزالة وصمة دعم الإرهاب وإيواء دعاة التطرف والعنف والكراهية عن «نظام الحمدين».
وحرص تقرير «دَيلي مَيل» على استعراض تفاصيل التحركات التي قامت بها شركة المحاماة الأميركية لصالح النظام القطري طيلة فترة التعاقد، قائلةً إن الشركة حاولت استمالة دعم 22 مسؤولاً وسياسياً أميركياً في الفترة ما بين يوليو 2017 ويناير 2018. وذكر أسماء بعض هؤلاء المسؤولين والساسة، ومن بينهم موظفون يعملون في مكتب ديان فاينشتاين عضو مجلس الشيوخ والرئيسة السابقة للجنة الاستخبارات في المجلس، بجانب إليوت إنجل عضو مجلس النواب والذي كان عضواً في لجنة الشؤون الخارجية فيه، وكذلك دانا رورباكر زميلته في عضوية المجلس نفسه.
وسلطت الصحيفة الضوء على ما ورد في وثائق وزارة العدل الأميركية في 27 يوليو الماضي، من أن شركة «ماكدرموت ويل أند إيمري» تعتزم تقديم استشاراتٍ لدولة قطر على صعيد دعم مصالحها في الفرعين التنفيذي والتشريعي» من الإدارة الأميركية. وأكدت الوثائق أن الشركة ستعمل أيضاً على تمثيل «نظام الحمدين» والدفاع عنه أمام أعضاءٍ في الكونجرس، بشأن قضايا السياسة العامة التي تؤثر على مصالح قطر. وتعتزم لقاء أعضاء في الكونجرس وموظفين (لديهم) وكذلك (موظفين) في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، لتحقيق الأهداف نفسها.
وأكد نص العقد الذي كشفت عنه «دَيلي مَيل» النقاب عن مخاوف قطر من تضرر مصالحها في الولايات المتحدة بفعل انكشاف أنشطتها الداعمة للإرهاب والتطرف. فبموجب العقد الذي وقعه مسؤولٌ في السفارة القطرية في واشنطن يوم 13 يوليو الماضي نيابةً عن السفير مشعل بن حمد آل ثاني، تتولى الشركة الأميركية - المرتبطة بمحامي ترامب - مساعدة الدوحة على إقامة اتصالاتٍ مع مسؤولين ومشرعين في مجلسيْ النواب والشيوخ الأميركيين وموظفيهم «ممن يتحملون مسؤولياتٍ على أصعدة قانونية وسياسية، تؤثر على المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية لقطر. ومن بين الوسائل التي لجأت لها «ماكدرموت ويل أند إيمري» في هذا السياق «عقد اجتماعاتٍ وإرسال خطاباتٍ ورسائل بالبريد الإلكتروني لمسؤولين ومشرعين وممثلين لوكالات حكومية، وإلقاء كلماتٍ في مناسباتٍ عامة.
وعلى الرغم من أن الوثائق تشير إلى أن ستيفن ريان المحامي المتعاقد مع محامي ترامب، أنهى علاقته مع قطر في الثلاثين من أغسطس 2017، فإن الشركة القانونية التابعة له، واصلت تقديم خدماتها للنظام الحاكم هناك. كما أن مايكل كوهين - المحامي الشخصي للرئيس الأميركي واصل لقاءاته مع المسؤولين القطريين، بما في ذلك إجرائه اللقاءاتٍ المشبوهة التي جمعت بينه وبين أحمد الرُميحي الدبلوماسي القطري السابق والمسؤول البارز سابقاً في «جهاز قطر للاستثمار».
ومن بين الاجتماعات المثيرة للجدل التي جرت بين الجانبين، ذاك الذي جرى في «برج ترامب» في نيويورك في 12 ديسمبر 2017، بالتزامن مع وجود وزير الخارجية القطري في البرج للالتقاء بمسؤولين بارزين وقتذاك في الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي، مثل أول مستشارٍ للأمن القومي في إدارته مايكل فلين، وكبير المخططين الاستراتيجيين السابق لترامب «ستيفن بانون». وزعم الرُميحي أن لقاءه مع كوهين تناول طلب الأخير الحصول على رشوةٍ قيمتها مليون دولار، وأنه رفض تقديم هذه الرشوة له، وهي الواقعة التي ينفيها المحامي من الأساس.
وما يؤكد كذب المزاعم القطرية في هذا الصدد، حقيقة تواصل اللقاءات بين الرُميحي وكوهين بعد الرفض المزعوم لتقديم هذه «الرشوة»، إذ التقى الاثنان - بحسب ما قالت «دَيلي مَيل» - على هامش مؤتمرٍ عُقِدَ بولاية فلوريدا الشهر الماضي، وذلك قبل أيامٍ قليلة من مداهمة عناصر في مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، لمكتب المحامي في إطار تحقيقٍ جارٍ بشأن مخالفاتٍ مصرفية متعلقة بتمويل الحملة الانتخابية لترامب. وتدحض هذه الوقائع المُثبتة تصريحاتٍ لمتحدثٍ باسم الحكومة القطرية أدلى بها مؤخراً لوسائل إعلامٍ، وقال فيها إن بلاده لم تكن في أي وقت من الأوقات من بين «عملاء كوهين».
وأكدت «دَيلي مَيل» أن الوثائق الجديدة الخاصة بتعاقد النظام القطري مع شركةٍ ذات صلة بالمحامي الشخصي لترامب، تثير مزيداً من التساؤلات حول العلاقة التي ربطت بين الدوحة وكوهين، والتي تحاول مختلف الجهات القطرية الضالعة فيها التنصل منها في الوقت الراهن. فقبل أيامٍ، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عن أن متحدثاً باسم الرُميحي، قال إن هذا الرجل لم يعد «متاحاً» للتعقيب على الأنباء الخاصة بضلوع النظام في المباحثات الخاصة بتقديم الرشوة. كما رفضت شركة «سبورت ترينتي»، التي يمتلكها الرُميحي، الرد على طلبٍ وجهته لها «واشنطن بوست» للتعليق على التفاصيل الخاصة بضلوع مالكها في المباحثات التي جرت مع كوهين.