دنيا

الاستئذان أدب رفيع .. فيه حياء وشهامة

القاهرة (الاتحاد)

جعل الله تعالى البيوت سكناً، تستريح فيه الأجساد، وتسكن الأرواح، وتطمئن نفوس الناس، ويأمنون فيها على عوراتهم، لذلك جعل لها حرمة، ولدخولها آداباً لا يجوز انتهاكها، فلم يسمح للناس أن يفاجئ بعضهم بعضا بدخولها من غير استئذان، والاستئذان أدب رفيع يدل على حياء صاحبه وشهامته وتربيته وعفته ونزاهة نفسه وتكريمها، الحكمة منه صيانة حرمات البيوت وعدم هتك أستارها، فيحرم على الإنسان أن يدخل بيت غيره إلا باستئذان لقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى? تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى? أَهْلِهَا ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، «سورة النور: الآية 27».

قواعد
قال ابن الجوزي: لا يجوز أن يدخل بيت غيره إلا بالاستئذان، ومعنى تستأنسوا تستأذنوا، وفوائد الاستئذان لا تعد ولا تحصى، فمن تربى عليه نال حظاً وافراً من الأدب والرقي، ولذلك يجدر بنا تعليم الأطفال هذه الآداب وغرسها بهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ...)، «سورة النور: الآية 58»، وقال المفسرون: يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، ليطلب عبيدكم وإماؤكم والأطفال منكم الإذن ثلاث مرات في ثلاثة أوقات، وذلك في غرف النوم وأماكن الراحة، من قبل صلاة الصبح، وقت إبدال ثياب النوم بثياب اليقظة، وفي وقت الظهيرة حين تضعون ثيابكم للقيلولة، وبعد صلاة العشاء لأنه وقت نومكم وخلع ثياب اليقظة ولبس ثوب النوم، هذه ثلاثة أوقات عورات لكم لا يدخلون فيها عليكم إلا بعد إذن منكم، وليس عليكم حرج في دخولهم دون استئذان، ولا عليهم هم حرج فيما عداها من الأوقات، هم كثيرو التطواف، بعضكم يطوف على بعض، فيتعذر منعهم من الدخول في كل وقت إلا بالاستئذان.
وقد قرر الإسلام للبيوت من الحرمة وقواعد الآداب ما يكفل للمرء راحته ويوفر له الحرية والكرامة وصيانة النفس عما لا يليق، وإذا ما بحثت عن أدب رفيع، وخلق عظيم، ستجده وارداً في الدين الإسلامي، لأنه دين أخلاق وحسن معاملة، فالعلاقات بين الناس تضبطها الأخلاق الحميدة، والآداب القيمة، لذلك حث القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة على هذه الآداب ومنها أدب الاستئذان الذي يعتبر أدباً اجتماعياً، وعرفاً قديماً تلتزم به المجتمعات المحافظة.

باب المنزل
وقال الإمام النووي، أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثاً فيجمع بين كليهما، السلام والاستئذان، ويجب عدم النظر بداخل البيت، وعدم الوقوف أمام باب المنزل مباشرة، وعدم طرقه بقوة، وإلقاء السلام على أهل البيت، وكذلك أن يخبر المستأذن عن اسمه، عن عبدالله بن بسر قال: «كان رسول الله إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم»، ويجب على أهل البيت أن يردوا التحية بمثلها أو بأحسن منها. ومن آداب الاستئذان أن يتخير الإنسان الأوقات المناسبة لزيارة الآخرين، بحسب ما يهدي إليه الذوق السليم، ويمليه العرف الاجتماعي المألوف، ولعل في تعبير القرآن عن الاستئذان بالاستئناس إشارة إلى هذا المعنى، وحكمة تكراره ثلاث مرات، بينها فاصل زمني يسير معقول، أنه ربما كان صاحب الدار مشغولاً.