دنيا

كمال بلاطة يستكشف جماليات قبة الصخرة

مجدي عثمان (القاهرة)

الفنان التشكيلي كمال بلاطة له رحلته الخاصة مع الأمكنة، يقول عنها: من باب الخليل في القدس دخلتُ العالم، ومن باب العمود فيها خرجتُ إلى المنفى، فبعد حرب 1967 ومواكبتها لمعرضه في بيروت، ترك مدينة مولده القدس، قسراً عقب انتهاء الحرب، وتوجه إلى إيطاليا، ليدرس في أكاديمية الفنون في روما، ثم يتابع دراسته الأكاديمية في أميركا في «مدرسة متحف كوركوران للفنون» ويستقر بها أربعة عقود، فتلك بعثة من أميركا لمدة 9 أشهر يمكث بدلاً منها ربع قرن، فيتركها بعد أحداث 11 سبتمبر، وأخرى منحة إلى المغرب لدراسة الفن الإسلامي مدة 9 أشهر، فيستمر بها أربع سنوات، أنجز خلالها عدداً من الدراسات في التراث العربي وتاريخ الفن الإسلامي، ونشرها فيما بعد في بعض المجلات الثقافية والأكاديمية.

تنوعها ثقافي
ومن المغرب سافر إلى فرنسا لحصوله على بعثة من وزارة الثقافة، فيستقر بها 11 عاماً في بلدة «موتون» جنوب فرنسا حتى العام 2012، وهو يقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين مرتبطاً بتنوعها الثقافي والحضاري.
في العام الماضي كرمه المعهد العربي الأميركي في واشنطن، بمنحه جائزة جبران خليل جبران للروح الإنسانية، في دورتها الـ19 عن مجمل تجربته التشكيلية، حيث صادف مرور مئة عام على «وعد بلفور» وسبعين عاماً على تقسيم فلسطين، وخمسين عاماً على النكسة، وأكد المعهد في بيانه للجائزة أن بلاطة أحد أعظم الفنانين الأحياء، وأنه منذ نشأته طفلاً في القدس وهو يستكشف الجمال الإعجازي لقبّة الصخرة، وأنه يشتغل على الهوية الفلسطينية وعلى العلاقة بين الضوء والظلام، والمنفى والهوية، مشيراً إلى مساهمته في تقديم أعمال ودراسات قرّبت بين البشر من خلال الثقافة، وأضاءت كثيراً على القضية الفلسطينية.

تجارب فنية
ويعترف بلاطة: العمل الفني بالنسبة إليَّ هو عمل فكري قبل كل شيء، فعلى الرغم من شغفه بجماليات الفن الإسلامي، إلا أن لا يسعى إلى إعادة إنتاجها بطريقة معاصرة فقط، وإنما باحث عن أسلوبه الشخصي وهويته العربية، ومستفيداً من التجارب الفنية التي عاصرها في بلدان المنفى، واصفاً مرحلته الفنية في الفترة من 1968 وحتى 1978 بأنها كانت معبرة عن التعاطي مع النص العربي وصولاً إلى لوحاته التي تحتوي على النص فقط، مثال لوحاته: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» و«ثورة/‏‏‏ ثروة»، ومع بداية الثمانينيات بدأ عمليات حسابية صارمة لكل تفصيله في عمله الفني، موضحاً أن التصوير علم، في أن نرسم حرفاً أن نضع لوناً على مساحة بيضاء.
ومع أواخر الثمانينيات بدأ بلاطة يركّز على العلاقات الهندسية بين الألوان مبتعداً عن الحروف، مستفيداً من وحدة المربع، وتداخل المربّعات بعضها في بعض داخل إطار اللوحة المربّع أيضاً، حيث يعتبر أن المربع شكل هندسي أصيل في الحضارة الإسلامية، موضحاً: في التاريخ القديم، كان المربّع في منطقتنا يرمز إلى الأرض في حين كانت الدائرة ترمز إلى السماء، والجمع ما بين المربّع والدائرة كان دائماً يرمز إلى العلاقة بين ما هو سماوي وما هو أرضي.
ويتحدث بلاطة عن الأيقونة، حيث كان يتردّد وهو شاب على مرسم الفنان المقدسي خليل الحلبي الذي اشتهر برسم الأيقونات، ورسم حينها، البورتريهات وحارات القدس، على الرغم من أنه يقول: لا علاقة لي بالتراث البيزنطي الإسلامي ولكنني آخذ اللبّ الموجود، فليس في إمكاني أن أعيش من دون هذه العلاقة، أستعين بالأشياء الجوهرية التي بُني عليها التراث لمئات السنين، أعود إليها، أنفض الغبار عنها، وأنظر إليها بطريقة جديدة.