ثقافة

هل نعيش فعلاً في «مجاعة نقدية»؟

فوضى النشر ساهمت في ضعف النقد (من المصدر)

فوضى النشر ساهمت في ضعف النقد (من المصدر)

إيهاب الملاح (القاهرة)

هل يمكن القول إن النقد الأدبي، قد مات فعلا كما أعلن الناقد البريطاني رونان ماكدونالد في كتابه المدوي «موت الناقد»؟ وما النفع، إذن، من تخصصٍ عزل نفسه (أو أريد له أن يُعزل) في أبراج المؤسسات الأكاديمية أو تقلص إلى مجرد ملحق للتصنيع الثقافي؟..
بعض هذه الأسئلة، وربما كلها، بدأت تحتل بؤرة الاهتمام في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، وليس فقط فيما طرح حول النقد الأدبي في الستينيات والسبعينيات، في فرنسا وألمانيا، وهما المركزان التقليديان للنشاط النقدي في أوروبا، ومنهما إلى أميركا وأنحاء العالم أجمع.
في مقدمة ترجمته لكتاب «موت الناقد»، يؤكد الأكاديمي والناقد الأردني فخري صالح، حدوث تحول جذري في دراسة الآداب والفنون، بحيث حلّ القارئ غير المتخصص، محل القارئ المتخصص المنتمي إلى المؤسسة النقدية الأكاديمية، أو حتى في الصحف والدوريات السيارة. هذه الأفكار، وغيرها مما أورده مؤلف الكتاب، تتماس وتتقاطع مع لب الأزمة التي يعانيها النقد العربي المعاصر، خاصة في العقود الأخيرة، ووصلت إلى توجيه الاتهام إلى النقاد بأنهم لا يقومون بدورهم المنوط بهم.
ولعل الناقدة الراحلة د. رضوى عاشور، قبل ذلك بسنوات طويلة، قد وضعت يدها باقتدار على لبّ الأزمة؛ التي تعانيها ثقافتنا المعاصرة، في ظل اتساع الفجوة بين إبداع يتدفق، وكتابات لا تكف عن الظهور، وبين متابعات ومراجعات وقراءات تكاد لا تغطي أقل من ربع هذا النتاج، مع الاعتراف بأن فوضى النشر وزيادة أرقام المطبوع من الكتب لأرقام فلكية وصل لذروة غير مسبوقة (وهو أمر مثير للدراسة والبحث في ظل الشكوى المتكررة أيضاً من ارتفاع تكاليف الطباعة والورق!).
بدوره، أكد الناقد والأكاديمي المصري، د. خيري دومة، أن نشاط دور النشر في مجال الإبداع الأدبي الجديد، أغرق الأسواق بتوجهات في الكتابة ساعدت على تطور الفن الأدبي على نحو مدهش، بينما كان ما وصفه بـ «النقد الأدبي الأكاديمي» غارقاً في بحوثه التفصيلية، متوهماً أنه يسعى للحصول على أدوات لتحليل هذه الكتابة الجديدة. والنتيجة أن الكتابة تطورت بينما لم يتطور النقد بما يكافئ ذلك.
لدومة مفهومه الخاص للنقد الأدبي «أستشعر في أحيان كثيرة أن النقد إن لم يكن إبداعاً ولا فنّاً، فهو على الأقل لون من الكتابة الدقيقة التي تكشف هي الأخرى عن موهبة وحساسية إبداعية حقيقية. فالناقد الأكاديمي يملك علماً حقيقياً، حصله بدراساته وبوقوفه الطويل أمام نصوص الأدب، لكنه لكي يصل إلى القراء ويؤثر فيهم، يجب أن يخفي هذه المعرفة لا أن يستعرضها كما يحدث في كثير من الأحيان».
أما الناقد والأكاديمي د. صلاح فضل فقد أكد فيما بدا أنه نبوءة غير متفائلة، كانت البداية عندما حذر الناقد الراحل علي الراعي من «مجاعة نقدية»، في ذلك الوقت كانت الساحة الثقافية المصرية تزخر بأسماء لامعة في النقد الأدبي: لويس عوض، عبد القادر القط، محمود أمين العالم، عز الدين إسماعيل، رجاء النقاش وآخرون.
أطلق الراعي هذا التحذير قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، توفي الراعي في يناير 1999، وقد بدأت الشكاوى تتصاعد وتملأ الأفق بأن ما حذر منه الرجل قد صار «حقيقة»!