الاقتصادي

غسل الأموال تلتهم الاقتصاد العالمي

«عمليات غسل الأموال تمنح الأوكسجين للجريمة المنظمة»
انريك بينا نيتو، رئيس المكسيك السابق


لم تعد عمليات غسل الأموال على الساحة العالمية مفاجئة لأحد، لأنها دخلت منذ عقود (وليس سنوات) ضمن سياق الأخبار العادية، علماً أنها ليست كذلك في الواقع، من ناحية المصائب التي تتركها على الساحات كلها. وهنا لا فرق بين دولة نامية وأخرى نمت مبكراً. العالم كله يعيش آثار عمليات الغسل النشطة، بدءاً من الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة السلاح غير الشرعية والمخدرات، إلى الإتجار بالبشر وسرقة الأموال العامة والرشى والتهرب الضريبي، بل وحتى تخزين مواد مشعة قاتلة في هذا البلد أو ذاك. هذه الأموال القذرة التي تجد ساحات واسعة لـ «تنظيفها» أكثر وأكثر، هددت اقتصادات وطنية بأكملها، ناهيك عن المخاطر الإرهابية الناجمة عنها، والتي ظهرت بوضوح على مدى العقدين الماضيين.
تريليونا دولار قيمة عمليات غسل الأموال سنوياً! هذا الرقم متفق عليه بين كل الجهات الدولية المختصة! ماذا أيضاً؟ هذه الأموال الشريرة تلتهم ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي العالمي! ومن أشكال «الالتهام» هذا (وهي كثيرة)، أنها تضرب اقتصادات نامية مباشرة من خلال القضاء على المشروعات الصغيرة والمتوسطة فيها. لماذا؟ لأن غاسلي الأموال يبيعون «منتجاتهم» بأسعار منخفضة إلى حد الدهشة، حتى أنها تصل إلى أقل من التكلفة الحقيقية. بينما الشركات الشرعية الأخرى لا يمكن أن تنافسها بهذه الوتيرة في السوق، فتخرج على الفور من الساحة. وهذا حقيقي، لأن خسارة حتى أكثر من 50% من الأموال المغسولة، هي في الواقع «ربح» كبير للغاسلين. فتحويل الأموال القذرة إلى أموال نظيفة، يستحق «الإنفاق»، علماً بان هذه الأموال بحد ذاتها، جاءت من العدم!
في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، تحركت حكومات البلدان المتقدمة بنشاط بالغ، ضد مسارات الأموال القذرة، لسببين رئيسين. الأول، حاجة الحكومات للأموال فعلاً بعد خسائر الأزمة الهائلة. والثاني، ارتفاع وتيرة استفادة المنظمات الإرهابية وقبلها الإجرامية، من الأموال المشينة لتمويل أعمالها الشيطانية. إلا أن ذلك لم يحقق إنجازات لافتة، أو لنقل مستدامة. ظل منظفو الأموال يبتكرون الوسيلة تلو الأخرى لجعل الحراك الحكومي متخلفاً عنها.
إن المؤسسات المصرفية العالمية تسهم بصورة أو بأخرى في تقديم التسهيلات اللازمة لغاسلي الأموال! لقد تحلى بعض المسؤولين المصرفيين الأميركيين والأوروبيين بالشجاعة فعلاً، عندما اعترفوا في أعقاب الأزمة العالمية المذكورة، أنهم سندوا مؤسساتهم بالأموال القذرة! مما أحدث صدمة حقيقية في الأوساط الحكومية والشعبية فعلاً. ستظل مصيبة الأموال القذرة حاضرة على الساحة العالمية، وربما «أكلت» في المستقبل القريب مزيداً من الناتج المحلي العالمي، وأخرجت شركات أكبر حجماً من السوق، ونشرت الكثير من الظلم هنا وهناك. وإذا كانت الدول المتقدمة تستطيع أن تعيش بحكم مواردها الضخمة، فإن بلداناً متعددة تبقى مهددة طالما أن وتيرة الحرب على الأموال القذرة، أقل حدة من خطوط ابتكار «مساحيق» التنظيف المالي.