دنيا

تقاليدنا تتلألأ على مائدة الإفطار

أطباق صحية على المائدة الرمضانية التنزانية (تصوير عبدالعظيم شوكت)

أطباق صحية على المائدة الرمضانية التنزانية (تصوير عبدالعظيم شوكت)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تزور «الاتحاد» بيوت عقيلات، سفراء دول إسلامية، مقيمات في الإمارات، لتستكشف عادات وتقاليد الشعوب خلال الشهر الفضيل الذي يجمع ويوحد بين المسلمين في شتى أرجاء العالم، مهما تباعدت المسافات والقارات. لكن بالطبع، يضع كل مجتمع بصماته الفريدة وفقاً لتراثه وبيئته، على مختلف طقوس شهر الصوم، بدءاً من استطلاع الهلال واستقبال الشهر، حتى الاحتفال بعيد الفطر. كل هذا ترصده «الاتحاد» على مدار الشهر الفضيل، عبر حواراتها اليومية مع قرينات السفراء.
رمضان، شهر الطاعات والخير والبركات، يرتبط بمجموعة من الطقوس المميزة في الدول العربية والإسلامية، وثمة تقاليد عريقة خلال استقبال هذا الضيف الكريم والاستعداد له، وتتفاوت تلك العادات بين الشعوب من بلد إلى آخر، رغم الاتحاد في أداء الشعائر الدينية والتعبدية، التي تظهر وحدتهم في أبهى حللها وأسمى معانيها.. ومن هذه الدول، التي تستأثر طقوسها الرمضانية وعادات وتقاليد شعبها في هذا الشهر الكريم بأجواء مميزة جمهورية تنزانيا الاتحادية، والتي نتعرف عليها من خلال زيارتنا إلى ريان قاسم محمد حرم سفير جمهورية تنزانيا الاتحادية لدى دولة الإمارات.

رمضان في الإمارات
وعن المهام التي تقوم بها عادة خلال الشهر الكريم، تقول ريان قاسم: «خلال شهر رمضان المبارك، أقوم بإعداد مائدة إفطار أحياناً لبعض جالية تنزانيا في أبوظبي وبعض العاملين في السفارة، كما أحضر للندوات الدينية وألبي العديد من الدعوات على الإفطار».
وتحتم الحياة الدبلوماسية على السفراء وزوجاتهم قضاء شهر رمضان في العديد من الدول، فيختبرون العديد من العادات والتقاليد، وكذلك يجربون أطول ساعات صوم أو أقصرها، حسب تعاقب الأيام في مختلف القارات، وتشير ريان أنها قضت رمضان في روسيا عام 2013، وكان الإفطار الساعة 10:30 ليلاً، ولكن رمضان في الإمارات لا يختلف كثيراً عن بلدها تنزانيا، كما تتميز الإمارات بالأمان والترابط العائلي.

المائدة الصحية
ومن عادات التنزانيين، حسبما تقول ريان قاسم، أنهم يستعدون لعيد الفطر قبل حلول شهر رمضان، فمنذ منتصف شهر شعبان يبدأ الناس في شراء ملابس العيد، كما تتجمل الشوارع وتنشط الأسواق، حيث يقبل الناس على شراء البضائع، وتتهيأ المساجد لاستقبال الشهر الكريم، ومن العادات المميزة في رمضان تنزانيا صوم الأطفال في سن مبكرة، وللمائدة الرمضانية التنزانية أيضاً خصوصية كبيرة، حيث يتناول الناس الأكل الصحي المتكون من أنواع معينة من الخضراوات والفواكه الخاصة، أغلبها الموز واليقطين والسمك المطهي بحليب جوز الهند، نظراً لانتشار المزارع والبساتين، كما أن من عادات التنزانيين أيضاً الأكل بواسطة اليد مفترشين الأرض، ويحرصون على تناول السمك طيلة شهر رمضان، بينما يمتنعون عن تناوله يوم العيد.
ويبتهج التنزانيون بقدوم الشهر، وتسود أجواء الرحمة، وتنتشر الدروس الدينية وموائد الإفطار الجماعي، وخاصة في القرى، حيث يفطر الرجال خارج البيوت، ويتشاركون في الإفطار، ويدعون المارة لتناول الطعام معهم.
ووتضيف حرم سفير جمهورية تنزانيا الاتحادية، قائلة: تعتبر جمهورية تنزانيا من الدول الإسلامية في القارة الأفريقية، وهي دولة في شرق أفريقيا تحدها كينيا وأوغندا من الشمال، ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى الغرب، وزامبيا وملاوي وموزامبيق إلى الجنوب. والحدود الشرقية للبلاد تقع على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية على المحيط الهندي. وتبلغ مساحة الدولة ما يزيد قليلاً على الـ 945 ألف كيلومتر مربع، ويعيش في هذه المساحة حوالي 29 مليوناً و755 ألف نسمة، منهم ما نسبته 63 % مسلمون، وتعتبر مدن: «دار السلام» العاصمة و«تانجا» و«زنزبار» و«ليندي» المطلة على الساحل أهم المدن بها. وبدأ الإسلام في الدخول إلى هذه البلاد عن طريق التجار الذين كانوا يفدون إلى هناك، ثم يعودون لبلادهم، وكذلك عن طريق المسافرين مِن أهالي هذه البلاد إلى الخارج، الذين عرفوا الدين الحنيف، ثم عادوا ونشروه في بلادهم.

تنوع ثقافي
وتلقي ريان قاسم، الضوء على طقوس وعادات وتقاليد رمضان في بلدها، مؤكدة أن تنزانيا تشهد تنوعاً كبيراً وثقافياً وحضارياً انعكس على التقاليد والعادات وعلى المائدة الرمضانية، وأن المناطق التي أغلب سكانها مسلمون، مثل المناطق السواحلية وجزيرة زنزبار ترى الناس فيها عموماً يلبسون ثياباً محتشمة ومتواضعة احتراماً لشهر رمضان المبارك، دون اعتبار أنهم مسلمون أو غير مسلمين، وتتبع مناطق مختلفة من تنزانيا نظاماً غذائياً لرمضان اعتماداً على توافر المنتجات المحلية.

تنوع وغنى
وتتميّز المائدة الرمضانية التنزانية بالتنوع والغنى والفائدة، نظراً لما يميز هذا البلد من طبيعة خصبة وانتشار المزارع وكثرة المحاصيل الزراعية، ومن عادة التنزانيين تناول الأطعمة الطازجة، وهذا ما يؤكد رغبتهم في جلب الخضراوات والفواكه يومياً، وإلى ذلك تقول حرم السفير التنزاني: «رغبة من الناس في تناول المنتجات الطازجة في رمضان، التي تزرع محلياً في منطقتهم، يبدأ المزارعون بتجهيز مزارعهم، بحيث يكون الحصاد جاهزاً للسوق في شهر رمضان، ومن المنتجات الشهيرة في رمضان الكسافا (تابيوكا)، البطاطا - الموز الأخضر، حيث إن تناول الموز (الأخضر) يعود بفوائد عديدة على الجسم، وذلك لغناه بالنشا ومضادات الأكسدة التي تحسن من الصحة بشكل عام، وهو من المنتجات التي يستهلكها التنزانيون بكميات كبيرة خلال شهر رمضان، حيث يقدم على شكل صالونة وطبق للتحلية وله استعمالات عدة. وتتضمن أيضاً المائدة الرمضانية شوربة من الدقيق، التي عادة ما تكون مزيجاً من الذرة الصفراء ودقيق الأرز، ويتم تجهيزها عادة قبل أسبوع أو أسبوعين من شهر رمضان».

طقوس
ومن أشهر أطباق رمضان تشير ريان: «التمور، وسامبوسا، وبهاجياس، والكسافا، والموز الأخضر المطبوخ في حليب جوز الهند مع الأسماك أو اللحوم، تشاباتي مع الأسماك واللحوم أو مرق الدجاج، اليقطين، الشعيرية أو بعض الفاصوليا، ومن الأطباق التي تزين مائدة رمضان أيضاً الحمص المطبوخ بحليب جوز الهند الذي يقدم حلواً، وكذلك الفول المطبوخ بالطريقة نفسها، ويتم تناول طعام الإفطار بواسطة اليد مرفوقاً بالشاي بالليمون أو الزنجبيل، مشيرة إلى أن الطعام في رمضان الآن مختلف تماماً عن الزمن الماضي، حيث تتميز المائدة الرمضانية الآن بتنوع الأكلات، وأصناف الأطعمة الأجنبية.

إفطار جماعي
وتوضح ريان أن تنزانيا تستقبل الشهر الفضيل بالبرامج الدينية المختلفة الكثيرة في أجهزة التلفاز والراديو قبل رمضان، كما يستفيد الكبار من الدروس الدينية في المساجد خلال الشهر، صباحية للرجال ودروس مسائية للنساء. ويزيد رمضان الأسر التنزانية تقارباً، فهذه التجمعات العائلية والتزاور بين الأقارب لها أهميتها في بلدنا، ويتشارك الشباب والأقارب والجيران في الإفطار ولو في نهاية الأسبوع، ومن يتجمعون في كل يوم يأتون بالطعام الذي طبخوه في بيوتهم ويجمعونه في مائدة ويأكل منها الجميع، كما أن بعض الناس يذهبون إلى بيوت أقاربهم وأصدقائهم إذا وجهت لهم دعوة إلى طعام الإفطار.

اعتكاف
وللعشر الأواخر من رمضان في تنزانيا مكانة عظيمة، حيث تؤكد حرم السفير أن هذه الأيام يعتكف الناس فيها في المساجد، مضيفة: «نشاهد الناس في تنزانيا، خاصة في العشر الأواخر من رمضان مركزين في العبادة والدعاء ومعتكفين في المساجد، ومن المتعارف عليه في تنزانيا أن المرأة تؤدي صلاتها غالباً في البيت مع أولادها.

أزياء محتشمة
وعادة ما تحضر الأزياء التقليدية في المناسبات الدينية، خاصة رمضان، في جميع الدول العربية والإسلامية، وتؤكد ريان أنه ليس في تنزانيا زي تقليدي مخصوص لهذه المناسبة، ولكن ترتدي النساء الثياب المحتشمة وحتى الفتيات الصغيرات منهن، بخلاف الرجال الذين يرتدون «الكندورة» والطاقية، بينما النساء يكتفين بالعبايات وغطاء الرأس. وتشير حرم السفير التنزاني إلى أن عيد الفطر يحظى باهتمام واسع لدى التنزانيين، حيث إن الاستعدادات له تبدأ قبل رمضان، حيث يشترون الملابس للأطفال، ويقدم الأزواج هدايا من الثياب الأفريقية المميزة والعطور لزوجاتهم، كما تقدم الزوجات لأمهات الزوج بعض الهدايا أيضاً.

ثقافات وبيئات مختلفة
ويقضي الأطفال حياتهم مرافقين لآبائهم الدبلوماسيين في مختلف الدول المعتمدين بها، فينعكس هذا التنقل على شخصياتهم بشكل إيجابي، حيث تقول ريان قاسم، إنه يستفيدون بالاحتكاك بثقافات وعادات مختلفة ولغات جديدة، كما يصبح لهم إلمام عميق بالشؤون العالمية، ويقدرون على مواجهة الأمور والبيئات الجديدة برحابة صدر، وفي الوقت نفسه قد يفقدون الانتماء لبلد معين، وقد يصعب عليهم أيضاً التكيف مع البيئات الدراسية الجديدة والنظم الدراسية المختلفة والأصدقاء الجدد، وهذه من بعض سلبيات التنقلات في مختلف البلدان، ولذلك تحاول كل سنة أن تقضي إجازتها في تنزانيا.

جوائز للأطفال

من العادات المميزة التنزانية، صوم الأبناء في سن صغيرة، فهناك من يصوم رمضان كاملاً وسنه لا يتجاوز 7 سنوات، ويتنافس الصغار على صوم أكثر عدد من الأيام، وذلك ليحظى بهدية في العيد من النقود تعادل عدد ما أيام صيامه، حيث إن الصغار يحصلون على جوائز، كما يخصص لهم طعام شهي يختارونه بأنفسهم ويحصلون على الهدايا في يوم العيد والنقود التي يشترون بها اللعب والحلويات حسب رغبتهم.

رمضان يجمعهم

تشير ريان إلى أن رمضان يوحد جميع شرائح المجتمع، وخلال شهر رمضان المبارك يشعر الناس بالاتحاد والتآلف في المجتمع ويستضيفون أصدقاءهم وجيرانهم للإفطار وخلال أيام العيد على تعدد دينهم، كما يقومون بمساعدة الفقراء والمساكين ويدعونهم إلى مائدة الإفطار ويعطونهم النقود والأطعمة ويشترون لهم ملابس للأطفال المستحقين لإدخال الفرحة والسرور على كل أفراد المجتمع وحتى يتمتع الجميع بهذا الشهر المبارك وعيد الفطر.