عربي ودولي

تعز.. تعليم وسط ركام الحرب

أمة الرحمن الاغواني (تعز)

لم يجد هؤلاء الطلاب سوى مبنى مدمر ليواصلوا تعليمهم فيه كبديل لمدرستهم التي أجبروا على تركها، نظراً لوقوعها في منطقة تماس شرق مدينة تعز.
يكتظ المبنى الذي دمرته نيران الحرب بالطلاب والطالبات والمعلمين المستمرين في العملية التعليمية برغم افتقار المكان لأبسط المقومات للتعليم فيه، لكن الأمل يحدوهم بمستقبل أفضل لن يتأتى سوى بالتعليم ولو اضطروا إلى تحويل هذه القاعات الصغيرة المدمرة إلى فصول دراسية يستعينون بها لمواصلة مشوارهم نحو مستقبلهم المجهول، وبقايا القذائف الصاروخية تتحول إلى أجراس تنبئهم بنهاية حصصهم الدراسية.

تدهور التعليم
الحرب القائمة في محافظه تعز ألقت بظلالها على العملية التعليمية المتدهورة أصلاً، وتسببت بتدمير وإغلاق المئات من المدارس، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية. وهو ما حال دون بدء عام دراسي جديد في مناطق كثيرة، خصوصاً تلك الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين، وحرمان أكثر من مليوني طفل من التعليم بحسب منظمة اليونيسيف؛ ما يجعل هؤلاء الطلاب على الرغم من الظروف الصعبة التي يتعلمون فيها أفضل حالاً وأوفر حظاً من غيرهم الذين حرموا من المقاعد الدراسية.
تقرير حديث كشف عن حرمان الحرب الدائرة في مدينة تعز (جنوب البلاد) أكثر من 250 ألف طالب من الذهاب للمدارس خلال الفصل الدراسي الأول الذي بدأ في عام 2015 وحتى مطلع العام الجاري.
وقال مركز الدراسات والإعلام التربوي (مركز مستقل): «إن أكثر من 250 ألفاً من طلبة التعليم الأساسي والثانوي حرموا من الالتحاق بالفصل الدراسي الأول، بسبب استمرار الحرب في تعز».
وأوضح مركز الإعلام التربوي بأن التعليم في تعز خلال الفصل الدراسي الأول «لم يتلق أي دعم مالي من وزارة التربية والتعليم أو من الحكومة الشرعية أو من الأمم المتحدة ومنظماتها العاملة»، منوهاً إلى أن المدارس والمبادرات التي ما زالت تعمل حالياً تواجه خطر الإغلاق بسبب ما تواجهه من تحديات. ومن ضمن التحديات، «النقص الحاد في الكتاب المدرسي، وغياب عملية الضبط الإداري، وتقليص ساعات اليوم المدرسي»، إلا أن هناك تحدياً أكبر، يضيف التقرير؛ يتجلى في استهداف دور التعليم في المدينة من قبل الحوثيين.
كما وثق المركز اليمني ثلاث عمليات استهداف للمدارس في تعز، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى من التلاميذ، ناهيك عن حالة الرعب والخوف الذي أصاب البقية.
أحمد علي، مدير مدرسة المختار الحكومية، يصرح لـ «الاتحاد»، بأن المدرسة لا تتلقى أي دعم في ظل انعدام الكتب المدرسية، وعدم توفير مستلزمات التعليم.
مضيفاً: «هناك أكثر من خمسين متطوعاً ومتطوعة يعلّمون الطلاب من دون أي مقابل مادي، حيث إن عدد الطلاب فيها 106، وعدد الفصول 6، وبالرغم من الظروف الصعبة فإن المدرسة يوجد فيها أوائل الطلاب المتميزين».
مناشداً الجهات المعنية مساعدة هؤلاء الطلاب كي يكملوا تعليمهم، ويواصلوا طريقهم نحو طموحاتهم المأمولة.
من جهة أخرى، تؤكد مديرة مدرسة النهضة، ذكرى، أن غرضهم الأول والأخير هو استكمال الطالب دراسته، حيث بلغ عدد الطلاب والطالبات 53 طالباً وطالبة فقط برغم المساحة الكافية لاستيعاب المزيد من الطلاب إلا أن الأهالي لا يستطيعون توفير احتياجات أبنائهم لإلحاقهم بالتعليم على الرغم من الرسوم المخفضة إلى نصف المبلغ الذي كان عليه قبل الحرب، وهذه المبالغ تذهب كرواتب تشجيعية للمدرسين كما تقول.

مدارس مهددة بالإغلاق
عدد من المدارس الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية بمحافظة تعز هددت بأنها ستوقف العملية التعليمية احتجاجاً على عدم انتظام صرف المرتبات.
وقال مركز الدراسات والإعلام التربوي (مركز خاص): «إن نقابات المعلمين والإدارات التعليمية هددت بإغلاق المدارس كافة ما لم توف الحكومة الشرعية بالتزاماتها وتعهداتها بدفع رواتب المعلمين بشكل مستمر أسوة بالمحافظات المحررة».
ويزيد تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر الصرف من خلق وضع معيشي صعب يهدد الحماية الاجتماعية للتعليم، ويجعل آلاف الطلبة في خط فقدان الأمل من الاستمرار في تعليمهم.
يذكر أن تعز تشهد اعتصامات ومسيرات متواصلة منذ أشهر عدة، تنظمها مكونات نقابية، تطالب بصرف مرتبات المعلمين.
وتسببت الحرب بتشريد آلاف المعلمين من منازلهم ونزوحهم إلى مناطق أكثر أمناً في البلاد، فيما قُتل أكثر من 40 معلماً، وجُرح العشرات، وتعرضوا للاستقطاعات غير الشرعية من رواتبهم. كما كانت سبباً في «تسريح مئات المعلمين من المدارس الأهلية والخاصة وفقدانهم لوظائفهم واعتقال آخرين»، وفق التقرير.
ولفت إلى أن كثيراً من مدارس تعز لم تكمل عامها الدراسي السابق، حيث لم تقم هذه المدارس بتسليم نتائج امتحانات العام الماضي لبعض مكاتب التربية في بعض المديريات بالمحافظة، بحسب التقرير، مطالباً «بتشكيل تكتل مجتمعي مكوّن من منظمات المجتمع المدني وخبراء ومهتمين بالتعليم ورجال أعمال، ليعمل على الإشراف والمتابعة للعملية التعليمية بمختلف مستوياتها وتخصصاتها بالمحافظة في ظل غياب الدولة».
الجدير بالذكر، أن تقريراً أممياً قدّر عدد الأطفال اليمنيين في سن التعليم الذين لم يلتحقوا بالمدارس منذ مارس بـ2.9 مليون طالب وطالبة، شكلت نسبتهم 48 في المائة من إجمالي عدد الطلاب في اليمن، ليمثل ذلك كارثة تنموية غير مسبوقة في تاريخ اليمن يهدد مستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي.

كارثية الوضع لم تستثنِ التعليم
دفعت محافظة تعز الفاتورة الأكبر على مستوى اليمن، فقد قدمت تعز آلاف الشهداء والجرحى، ووصلت الحرب إلى أغلب مديرياتها وقراها، ما تسبب بأضرار بالغة في البنية التحتية، إلى هذا يذهب أحمد البحيري، رئيس مركز الدراسات والإعلام التربوي حيث يضيف: «أكثر من 400 مدرسة تعرضت لأضرار مختلفة، وأصبحت أغلبها خارج الخدمة التعليمية، إضافة إلى أغلب المعاهد الفنية والمهنية وكليتي الطب والآداب وجامعات أهلية أخرى، وزيادة على ذلك حالة الانقسام الإداري التي انعكست سلباً على التعليم بمختلف مستوياته».
وعن تشخيصه للوضع الراهن يقول البحيري: «هناك أزمة تعليمية هي الأسوأ في تاريخ اليمن المعاصر، وإحدى أضخم الأزمات التعليمية في الشرق الأوسط بعد سوريا، حيث وصل عدد التلاميذ المحرومين من مواصلة تعليمهم إلى 3.5 مليون، مقارنة بـ1.7 مليون قبل الحرب».
ويختم البحيري: «أزمة التعليم أزمة منسية بسبب تشتت الاهتمامات المحلية والدولية في ظل تنوع الأزمات وتعددها، ولا حل لأزمة التعليم إلا بحل الأزمة اليمنية ككل».

وضع اضطراري
عبد الله، طفل في بداية عقده الثاني، اضطرته الحرب للعمل في ورشة حدادة مع عمه، حيث لا معيل لأسرته بسبب الحرب، ولا دخل بسبب الحصار الذي تعاني منه تعز، لذا فهو هنا في ورشة عمه يخترق كل القوانين الخاصة بعمالة الأطفال ويحملها ما لا تطيق، كما أنه يقول: «الحرب منعته من مواصلة مشواره التعليمي، فالاستهداف الممنهج للمدارس والمقرات التعليمية تسبب في مقتل عشرات الطلاب وهم ذاهبون أو في طريق عودتهم من المدارس، وعبد الله أيضاً، وجد نفسه أمام خيارين كليهما مر، التوقف القسري بسبب الحرب واستهداف المدارس، أو العمل لإعالة أسرته التي فقدت مصادر دخلها، وهناك مئات الأطفال يعيشون حالة عبد الله بسبب ما آلت إليه الأوضاع منذ ثلاث سنوات».

تصويب الجهود
في ظل ما سقناه، فإن العملية التعليمية في تعز بحاجة إلى إرادة فعلية للبدء في تصويب جهود إعادة العمل على مستوى من الرتم الحقيقي، وذلك ما يأمله الناس هنا في تعز، لاستعادة المدارس كافة، المستخدمة كثكنات ومقار عسكرية، وكذا إعادة ترميم وتأهيل المدارس الأخرى التي تعرضت للقصف والتدمير، إضافة إلى انتظام صرف مرتبات المعلمين الذين لا مصدر لهم سوى رواتبهم، وكذا توفير الاحتياجات التشغيلية الضامنة لاستمرار العمل التعليمي، وهي دعوة للجهات المعنية كافة على المستويين الدولي والإقليمي وكذا المحلي، لإنقاذ عاصمة الثقافة اليمنية من شلل وشيك للعملية التعليمية برمتها.