دنيا

رمضان في العراق.. تقاليد متوارثة وعادات راسخة

وجبات شعبية تزيّن مائدة العائلة العراقية (الصور من المصدر)

وجبات شعبية تزيّن مائدة العائلة العراقية (الصور من المصدر)

أبوظبي (الاتحاد)

العراق بكل مدنه وقراه، لا يختلف حاله عن البلدان الإسلامية في استقبال شهر رمضان الفضيل، لكن الشعب العراقي الذي بدا يستعيد روتين يومه بعد أن تخلص من تبعات الفترة العصيبة التي مكث فيها «تنظيم داعش الإرهابي»، ما زال وثيق الصلة بعاداته وتقاليده العريقة الممتدة إلى آلاف السنين، كيف لا؟، وهو من أصل الحضارة.

سوق الشورجة
في بلاد الرشيد، تتجدد مظاهر استقبال رمضان، من خلال ازدحام الأسواق وتردد أرباب البيوت عليها، لابتياع حاجياتهم، وما يميز العراقيين بحسب الدكتورة شيماء البياتي التي قصت لـ»الاتحاد» حكايات الناس مع رمضان، «العراقيون يستعدون لرمضان، وكأنهم ينتظرون الحرب»، في وصف بليغ عن تفضيل الناس تكديس المواد التموينية في بيوتهم، وتبرر البياتي الأمر، بالقول: «هنالك عدة أسباب لذلك، فحنا منذ أكثر من أربعين عاما، ونحن نعيش تحت قذائف الطائرات الحربية، بسبب الحروب المتتالية، فتعودنا على شراء احتياجاتنا بكميات كبيرة، حتى لا تخلو البيوت من مستلزمات الحياة، أضف إلى ذلك أن حرارة الجو في رمضان، تجعل من أمر الخروج اليومي الى السوق مهمة انتحارية خاصة في ساعات الصيام، التي تقترب درجة الحرارة فيها إلى 50». في بغداد تحديدا، يعتبر «سوق الشورجة»، محجا لجميع الناس، فهو مكان يوفر كافة مستلزمات الحياة اليومية، ولذلك يعتبر العراقيون السوق، مكانا مناسبا يوفر احتياجاتهم بأسعار معقولة.

طقوس لا بد منها
لا تغفل العائلات العراقية، مسألة التنوع في الوجبات على مائدتي الإفطار والسحور، فيمكن بسهولة شديدة ملاحظة، وجود أكثر من نوع طعام على نفس المائدة، ولا يستغنى يوميا عن وجود شوربة حساء العدس واللبن البارد والتمر والبرياني والمقلوبة ومرقة الباميا والدليمية والدولمة والكبة الحلبية بشكل دائم. ومن بين العادات الرمضانية والطقوس التي لا يتم تجاهلها، تبادل الأكلات بين الأهل والجيران، حيث تقوم كل عائلة بإرسال طبق معين من الأكلات إلى جيرانها. والشيء المميز في العراق أن غالبية الناس يلتزمون بشعائر شهر رمضان من صيام وصلاة وقراءة للقرآن، أما المساجد فتمتلئ بالمصلين من مختلف الفئات العمرية الذين يؤدون صلاة التراويح.

ألعاب الصغار والكبار
بعد الانتهاء من صلاة التراويح، يستثمر الناس الأجواء المعتدلة ليلا، فينطلق الأطفال في الطرقات وهم يتغنون بالنشيد البغدادي المعروف «ماجينا يا ماجينا حل الكيس واعطينا»، أما الشباب فإنهم يذهبون إلى لعبة المحيبس المعروفة في العراق التي تستمر حتى الفجر، حيث تنتشر هذه اللعبة التراثية في الشارع العراقي الشعبي بشكل لافت للنظر، فيما تسمى ذات اللعبة بالصينية في مناطق شمال العراق.

دوش رمضاني
قد تفاجئ وأنت تسير في شوارع المدن العراقية، انتشار «دوش» مكشوف في معظم الأسواق خاصة في «المناطق الشعبية»، بهدف مساعدة الصائمين على الاغتسال السريع في الشارع العام تخلّصاً من الحر الشديد، لا سيما أن درجات الحرارة تتجاوز 44 درجة مئوية في بعض الأيام، فيما يكتفي البعض وخاصة من النساء، بغسل وجوههن ورش رؤوسهن بالماء أثناء مرورهن بجوار تلك المناطق.

اجتماع الأسرة
أهم ما يميز رمضان والوجبات الشعبية والدسمة التي كانت تزيّن مائدة العائلة العراقية تقاليد لا تزال سارية في جنوب العراق وشماله الكردي في إقليم كردستان. أما في بغداد، فالعائلات تميل إلى الإفطار خارج المنازل، وأدرجت المطاعم طقوساً خاصة بالإفطار شبيهة إلى حد كبير بطريقة الإفطار في المنازل، إذ تبدأ بتوزيع التمر واللبن والحساء على الموائد قبل موعد الإفطار بـ15 دقيقة، وتفتح قاعة خاصة للصائمين ليؤدّوا الصلاة بعد وجبتهم الخفيفة، ويستمتعوا لاحقاً بإفطار دسم.

مسحراتي غير
أكثر ما يلفت الانتباه بحسب الدكتور شيماء البياتي، التطور الذي أصاب مهنة المسحراتي، في بعض المدن العراقية، حيث بدّل «المسحراتية» طريقتهم في إيقاظ الصائمين وقت السحور، إذ بدلا من الضرب على الطبل، بدلوا نمط موسيقاهم، وصاروا يعزفون نغمات راقصة تشبه إلى حد كبير إيقاعات حفلات الزفاف، وبدلاً من أن ينفرد طبال بالموضوع، صارت الفرق الموسيقية المكونة من أربعة أو خمسة أشخاص تزور الأحياء السكنية، لكن البياتي لفتت أن مناطق الجنوب، لا يزال الصائمون فيها، يعتمدون على الهاتف الخليوي والمنبه لإيقاظهم على السحور، ولا علاقة لهم بالطبل.

لعبة المحيبس
المحيبس، هي تصغير لكلمة محبس أي خاتم وتسمى اللعبة أيضا «بات»، ويتم لعب اللعبة بفريقين وبأي عدد من المشتركين، حيث يقوم أحد الفريقين الذي يشتري المحبس، بعدد من النقاط التي يتم منحها للفريق الآخر، بتخبئته بيد أحد أفراد فريقه بدون علم الفريق الثاني، وعندها يقوم أحد أفراد الفريق الثاني بالبحث عن المحبس بأسقاط الأشخاص الذي يعتقد بعدم وجود المحبس بيدهم، فأن أخرج أحد اللاعبين وكان المحبس بيده يخسر الفريق نقطة (في هذه الحالة يصرخ اللاعب الذي بيده الخاتم بكلمة بات ومن هنا جاء الاسم الثاني للعبة). ويعاد تخبئة المحبس من جديد وأن حزر رئيس الفريق الأول اليد المخبئ بها المحبس ربح فريقه نقطة وحصل على الخاتم ليخبئه بدوره عند أحد أفراد فريقه ليبحث عنه الفريق الثاني وهكذا. ويستمر اللعب لحين وصول أحد الفريقين لمجموع النقاط التي يتفق عليها مسبقاً، وبذلك يكون هو الفريق الفائز ويحصل على الجائزة ويدفع الفريق الخاسر كلفة صواني الحلويات التي توزع على الفريقين والمشاهدين، وعادة ما ترافق اللعبة مجموعة من الاهازيج والأغاني التراثية.