دنيا

لماذا نُهي عن أكل الأموال بالباطل؟

القاهرة (الاتحاد)

ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة، كالربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل، بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل، ثم إنه أباح لهم أكلها بالتجارة والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على التراضي وغيره، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...)، «سورة النساء: الآية 29».

المكاسب
وقال السعدي، لما نهى الله عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، على الآكل، ومن أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات، وأنواع الحرف والإجارات، فإنها مباحة لكم، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ويأتي به اختياراً، ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوماً، فبيع الغرر بجميع أنواعه خالٍ من الرضا فلا ينفذ عقده، وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل، لأن الله شرط الرضا، فبأي طريق حصل الرضا انعقد به العقد، ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم وصانها ونهاكم عن انتهاكها.
وقال عن ذلك فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي: عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت خلقه إلى أن يؤمنوا به يلفتهم إلى الكون، ويلفتهم إلى ما خلق من ظواهر ليتأكدوا أن هذه الظواهر لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن قادر عليم حكيم، فإذا ما انتهوا إلى الإيمان به استقبلوا التكليف، فحين يخاطبهم بالتكليف يجعل لأمره مقدمة هي أنك ألزمت نفسك في أن تدخل إلى هذا التكليف، ولم يرغمك الله على أن تكون مكلفاً، وإنما أنت دخلت إلى الإيمان بالله باختيارك وطواعيتك، فاجعل إيمانك بالله حيثية كل حكم يحكم به عليك، ولذلك يجيء الحق دائماً قبل آيات التكليف بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ)، فهو لم يكلف مطلق الناس، وإنما كلف من آمن به، بمحض اختياره، وإذا دخلت إلى الإيمان بالله فالتزم بالسماع من الله فهو يعطينا علة الحكم، وما دمت آمنت بالله فسلم زمام الأوامر والنواهي له.

الجهد والمشقة
وها هو سبحانه يتكلم عن المال، وهو الذي يقيم الحياة، والمال ثمرة الجهد والمشقة، والمال ينقسم قسمين، مال يمكن أن تنتفع به مباشرة، فهناك من يملك الطعام، وآخر يملك الشراب، وثالث يملك أثواباً، وهذا نوع من المال ينتفع به مباشرة، وهناك نوع آخر من المال، وهو «النقد» ولا ينتفع به مباشرة، بل بإيجاد ما ينتفع به.. والحق سبحانه يوضح مسائل المال توضيحاً تاماً ليحمي حركة الحياة ويُغري الناس بالحركة، وبذلك يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، وقول الحق: (... لاَ تأكلوا...)، فهذا أمر لجمع، و«أموالكم» أيضاً جمع، فيكون معناه لا يأكل كل واحد ماله بالباطل، والحق يوصيك ويأمرك، إياك أن تصرف مالك وتضيعه إلا في حق.
ولا يأكل كل واحد منكم مال أخيه، فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف يأكل غيري مالي، إن الحق سبحانه يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعاً واحداً، ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل، وإنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك.