عربي ودولي

«واشنطن بوست» تفضح خفايا تورط قطر في «رشوة ديسمبر»

دينا محمود (لندن)

بعد يومٍ واحد من تفجير صحيفة «دَيلي مَيل» البريطانية قنبلةً مدويةً، عبر كشفها النقاب عن مباحثاتٍ شارك فيها مسؤولون ودبلوماسيون قطريون بارزون، سعياً لتقديم رشوة إلى مقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في بلاده، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أن غالبية الجهات القطرية الضالعة في هذه المباحثات المشبوهة، توارت عن الأنظار ورفضت الحديث إلى وسائل الإعلام، حول أحدث فضائح الدولة المعزولة على الساحة السياسية في الولايات المتحدة.
وقالت الصحيفة في تقريرٍ حول الفضيحة الجديدة، إن السفارة القطرية في واشنطن أحجمت عن التعليق على الأنباء التي أفادت بأن المباحثات المتعلقة بتلك الرشوة، جرت على هامش اجتماعاتٍ عقدها وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع مسؤولي الفريق الانتقالي بإدارة ترامب في 12 ديسمبر 2016، أي بعد شهرٍ واحد من فوز ترامب بالرئاسة. ووفقاً للتقرير، فقد شملت اجتماعات الوزير القطري في ذلك اليوم، والتي عقدت في «برج ترامب» بنيويورك، كلاً من مايكل فلين أول مستشارٍ للأمن القومي في عهد ترامب، وكذلك كبير المستشارين الاستراتيجيين سابقاً للإدارة الأميركية ستيفن بانون.
وعلى هامش هذه المحادثات، جرت الاتصالات الخاصة بـ«الرشوة القطرية»، بين مايكل كوهين المحامي الخاص للرئيس الأميركي وأحمد الرُميحي، وهو دبلوماسيٌ قطريٌ سابق، كان يشغل آنذاك منصب رئيس وحدة «قطر للاستثمار»، التابعة لأحد صناديق الثروة السيادية، والذي يحمل اسم «جهاز قطر للاستثمار». وفي الأسبوع الماضي، كشفت وسائل إعلام بريطانية النقاب عن أن الرُميحي كان حاول شراء ولاء بانون، حينما كان مستشاراً بارزاً للرئيس الأميركي وكذلك بعدما ترك منصبه في البيت الأبيض، وأنه تباهى أيضاً بكونه قد نجح في تقديم رشاوى للعديد من الشخصيات الرفيعة في الولايات المتحدة، وذكر من بينهم اسم مايكل فلين، الذي اضطر لترك منصبه بعد أقل من شهرين من توليه له، بعدما أقر بالكذب على نائب الرئيس مايك بينس، بشأن اتصالاتٍ أجراها مع دبلوماسيين روس في واشنطن.

ذعر قطري من الكلام
مع وسائل الإعلام
وفي مؤشرٍ على الارتباك الذي يسود بين المسؤولين والمستثمرين القطريين المتورطين في فضيحة «رشوة إدارة ترامب»، قال تقرير «واشنطن بوست» -الذي أعدته الصحفية كارين دي يونج ومعها الصحفيان جوش داوسي وروزاليند إس.هلدرمان، إن متحدثاً باسم الرُميحي، قال إنه لم يعد «متاحاً» التعقيب على الأنباء الخاصة بالفضيحة الجديدة، وذلك رغم أنه كان قد أشار في بادئ الأمر إلى أن الدبلوماسي القطري السابق، مستعدٌ لإجراء مقابلة مع الصحيفة الأميركية في هذا الشأن.
والذعر القطري من الحديث مع وسائل الإعلام حول هذا الملف المشبوه، تجسد كذلك في رفض شركة «سبورت ترينتي» التي يمتلكها الرُميحي، الرد على طلبٍ وجهته لها «واشنطن بوست» للتعليق على التفاصيل الخاصة بضلوع مالكها في المباحثات التي جرت مع كوهين، في إطار مساعي الدوحة لـ«شراء» رضا مسؤولي الإدارة الأميركية الجمهورية، حتى قبل دخول ترامب البيت الأبيض بأكثر من شهر. وأشارت دعوى قضائية مرفوعة حالياً في الولايات المتحدة ضد شخصيات قطرية عدة -من بينها الرُميحي- إلى أن هذا الرجل كان يتفاخر دائماً بأنه أشبه بـ«شقيقٍ» لأمير قطر، وهو ما يفند محاولات المسؤولين القطريين التأكيد على عدم وجود صلة بينه وبين النظام الحاكم في الدوحة.
وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن الرشوة التي يزعم المسؤولون القطريون أنهم رفضوا دفعها في نهاية المطاف، كانت ستُقدم مقابل فتح الأبواب لهم للنفاذ إلى الإدارة الجديدة وقتذاك، في محاولةٍ منهم -على ما يبدو- لضمان دعمها لـ«نظام الحمدين» وسياساته المثيرة للجدل، التي جلبت له العزلة بعد ذلك بشهورٍ قليلة. وأبرزت «واشنطن بوست» كون الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية القطري في يوم بحث مسألة تقديم الرشوة في «برج ترامب»، أنها جاءت بناءً على طلبٍ قدمته الدوحة، وأن هذه المشاورات أعقبت اجتماعاً عقده تميم بن حمد في سبتمبر 2016 مع ترامب، وهو ما يؤكد أن محاولات قطر للتودد للرئيس بدأت مبكراً للغاية.

اتصالات كوهين- الرُميحي
وفي إشارةٍ لا تخلو من دلالة، حرص تقرير الصحيفة على الإشارة إلى أن هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، كانت قد اتخذت قراراً في سبتمبر أيضاً بإلغاء اجتماعٍ كان مقرراً مع أمير قطر في نيويورك كذلك، بذريعة وجود تعارض في مواعيد ارتباطات الجانبين، كما قال فريق حملتها حينذاك. وفي الشهور التالية، اضطلع القطري ذو الأدوار المشبوهة المتعددة الرُميحي بدورٍ بارز في محاولات التقرب من ترامب وإدارته. فوفقاً لتقرير «واشنطن بوست»، جرى اللقاء الأول بين هذا الرجل والمحامي الشخصي للرئيس الأميركي، قبل خمسة أيام من مباحثات 12 ديسمبر 2016. وأشار التقرير إلى أن اللقاء عُقِدَ خلال مأدبة إفطار في نيويورك، نظمها أحد جامعي التبرعات لصالح الجمهوريين في الولايات المتحدة.
وقالت الصحيفة إن ذلك الإفطار ضم عدداً من المستثمرين ومسؤولي الفريق الانتقالي لإدارة الرئيس الجديد في ذاك الوقت. وأشارت إلى أن محور النقاش الذي دار بين المشاركين فيه -ومن بينهم الرُميحي- تمثل في الحديث عن إدارة ترامب المقبلة وقتذاك، بجانب تبادلهم أرقام الهواتف والبيانات الضرورية لمواصلة الاتصالات فيما بينهم. وأضافت أن الاتصالات تجددت بين الرُميحي وكوهين بعد أيامٍ قليلة، عندما التقيا في مطعمٍ بنيويورك أيضاً، حيث بحث الجانبان «خطط إدارة ترامب لجلب استثماراتٍ من أجل برنامجٍ ضخمٍ للبنية التحتية في الولايات المتحدة». وفي محاولةٍ من «نظام الحمدين» لاستغلال هذا المشروع لتقديم «رشوة مُقنّعة» لإدارة ترامب، أبلغ الدبلوماسي والمستثمر القطري محامي الرئيس الأميركي بأنه من المتوقع أن تضخ الدولة المعزولة استثماراتٍ في ذلك البرنامج، وهو ما رد عليه كوهين بأن عرض على الرُميحي أن يقترح مشروعاتٍ محددةً على النظام القطري لكي يقوم بتمويلها في الولايات المتحدة، مقابل الحصول من الدوحة على رسومٍ تُقدر بمليون دولار، وتُدفع مقدماً. وبحسب تقرير «واشنطن بوست»، بحث الاثنان الملف نفسه عندما التقيا مجدداً في 12 ديسمبر من العام قبل الماضي، خلال زيارة وزير الخارجية القطري لـ«برج ترامب» مع مجموعة من المسؤولين الآخرين في نظام تميم بن حمد. وقالت الصحيفة إن مشاورات كوهين- الرُميحي في هذا الصدد، جرت على هامش الاجتماعات الرسمية التي ضمت مسؤولين أميركيين مثل فلين وربما بانون. وأبرزت الصحيفة حقيقة أن السلطات الحاكمة في الدوحة، أعلنت في اليوم التالي مباشرةً لتلك الاجتماعات، أنها ستستثمر 10 مليارات دولار في برنامج البنية التحتية، الذي تشاور الرُميحي بشأنه مع كوهين في «برج ترامب»، قبل ذلك بأقل من 24 ساعة.

شبهات حول الرُميحي
ويفاقم ما نشرته «واشنطن بوست» الشبهات التي تحوم حول الرُميحي، منذ أن كشفت «دَيلي مَيل» الأسبوع الماضي أنه كان وراء تقديم تعهدات بضخ استثمارات قطرية ضخمة في بطولة أميركية لكرة السلة، بهدف التقرب من ستيفن بانون، قبل أن يتنصل من تعهداته تلك في ما بعد. وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن هذا الرجل -الذي يقيم حالياً في مدينة لوس أنجلوس- وثيق الصلة بالنظام القطري، في ضوء أنه سبق وأن أبرم تعاقداً مع مجموعةٍ لتشكيل جماعات الضغط تتخذ من واشنطن مقراً لها، وذلك بالنيابة عن حكومة الدوحة. كما لفتت الانتباه إلى أن الرُميحي كان يمثل النظام القطري أيضاً عند إبرامه تعاقداً في يونيو الماضي، مع شركة محاماةٍ مملوكة لوزير العدل الأميركي السابق جون أشكروفت، وهو التعاقد الذي ينص على أن تعمل الشركة على حشد الدعم لقطر من جانب خبراء كانوا يشغلون مناصب حكومية في الولايات المتحدة «بمن فيهم، مسؤولون كبار في أوساط أجهزة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووزارتي الخزانة والأمن الداخلي». وأشارت «واشنطن بوست» إلى مليارات الدولارات التي أنفقتها قطر على مدار الشهور الماضية للتعاقد مع مثل هذه الجماعات، في مسعى يائس للتأثير على موقف البيت الأبيض من الأزمة القطرية، التي تعصف بالخليج منذ نحو عام، والتي شهدت فرض العزلة على الدوحة من جانب الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين). وذَكَّرت بإبداء ترامب دعمه للإجراءات الصارمة المُتخذة ضد «نظام الحمدين»، وقوله منتصف العام الماضي إنه سمع خلال زيارته الرياض في مايو 2017، عن «دعم قطر للإرهاب». كما لم تغفل «واشنطن بوست» الإشارة في تقريرها إلى الأموال الطائلة التي تنفقها الدولة المعزولة في صورة صفقاتٍ واستثماراتٍ في الولايات المتحدة لأغراض سياسية على الأرجح كذلك. وقالت في هذا الشأن إن قطر «مشترٍ كبير للتجهيزات والمعدات الدفاعية الأميركية، ومستثمرٌ رئيسيٌ في هذا البلد». كما أشارت إلى أن الحكومة القطرية مهتمةٌ بشدة بمواصلة هذه العلاقات الوثيقة، وأن هذا الموضوع شكّل محور الكثير من النقاشات التي جرت خلال اجتماع 12 ديسمبر في «برج ترامب»، حسبما ذكر أشخاص على علمٍ بمجريات ذلك الاجتماع، ممن طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم حتى يتسنى لهم الحديث بصراحة، حول قضايا حساسة مثل هذه.