ثقافة

الإرهاب المتأسلم.. من سيد قطب إلى داعش

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

إيهاب الملاح (القاهرة)

«الإرهاب المتأسلم ـ حسن البنا وتلاميذه من سيد قطب إلى داعش»، آخر كتاب أصدره المؤرخ والمفكر السياسي الراحل الدكتور رفعت السعيد (الهيئة العامة للكتاب، مصر، 2017). يقدم الكتاب رؤية «مركزة» لروافد التأسلم السياسي ـ ويضع تجربة الإخوان المرّة والسوداء في الميزان؛ ويثبت بالدليل والتحليل أن المأساة الحقيقية في تغييب العقول، وفي بيعها بأبخس ثمن في سوق السمع والطاعة. انطلاقًا من بدهية عقلانية لا يختلف عليها اثنان، يبني «السعيد» قاعدته الفكرية المتينة «أن تجتهد في الدين فهذا حقك، بل وواجبك ما دُمتَ استكملتَ عدتك وأدواتك الضرورية للاجتهاد حتى لا تكون كمن يفتي بغير علم. لكن أن تزعم أن اجتهادك وحده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتدعي أنه «رأي الإسلام» الذي لا رأي غيره ولا بعده، فهذا ما يأباه العقل والمنطق والشرع (بمفهومه الاجتهادي النسبي) أيضًا!»
أما أن تستخدم العنفَ (قولاً أو فعلًا) ضد الذين يخالفونك ولا يوافقونك على ما ذهبتَ إليه فهذا هو عينه «الإرهاب» الذي ضرب عالمنا العربي والإسلامي بهمجية ووحشية غير مسبوقة في السنوات الأخيرة. وإن كانت جذوره تمتد إلى ما هو أبعد لسنوات طويلة، تصل إلى حوالي تسعة عقود من الزمان. الأزمة الكبرى التي عانينا منها وما زلنا نعاني منها حتى اللحظة تكمن بالأساس في هذه «اللخبطة»، «الارتباك»، «الخلط القاتل» الذي يمتزج فيه حق الاجتهاد بفعلِ الإرهاب. وتضيع الحقوقُ، وتُسلبُ الأرواح، وتُنتهك الحرمات، وتدمر الآثار ويتعدى على الممتلكات والأموال، كل ذلك بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وحق فرض الرأي بالقوة (بالباطل).
محور الكتاب، إجمالا، يدور حول تنظيم الإخوان المسلمين بصفة خاصة، والجماعات السياسية المستترة بالدين والتي يسمي د. رفعت السعيد أعضاءها بالمتأسلمين، ويشرح: «التاء إذ تضاف إلى الفعل هنا «أسلم» كي تعطي دلالة أن صاحبه يتشبه أو يدعي أن مقولاته وحدها هي صحيح الإسلام، وهي غير ذلك، ولا تملك أن تكون». إذن، فالمتأسلم -وفق هذا المفهوم- هو «مسلم» يتزيد على المسلمين، ويتكلف في الادعاء بتميزه عنهم، ويزعم أنه يمتلك الطريق القويم للهداية، ومنهم فئة المتنطعين الذين دعا عليهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالهلاك، وهذا هو الوصف الذي ينطبق على الإخوان ومن سايرهم، والذين يلعبون «لعبة الدين والسياسة».
وفق المفهوم السابق، فإنه في اللحظة التي تفصل فيها مُسلمًا عن مجتمعه العام، وتدخله إلى «جماعة خاصة»، فأنت بالضرورة تجعل من المجتمع المسلم العام تجسيدًا للآخر، كأنك تقول لعضو الجماعة إن هذه الجماعة «الأصغر» هي القادرة على تنشئتك على منهج الدين الذي لا يمكن أن يوفره لك المجتمع، مع أن هذا الأمر غير صحيح، وليت الأمر يتوقف عند تلقين مبادئ الدين، وأسس الأخلاق (وهي ثابتة ومطلقة)، ولكنه يربط الأمرين بالجماعة وأهدافها وخياراتها السياسية (وهي متقلبة ومتغيّرة)، وهكذا يصبح الثابت والمطلق في خدمة المتغيّر والمتقلّب، بل إن الجماعة تصبح هي الدين نفسه، والدفاع عنها هو دفاع عن العقيدة.
ويرفض المؤلف رفضاً قاطعاً فكرة «تسييس الدين» أو «تديين السياسة» مستشهداً بمقولة ابن المقفع «الدين تسليم بالإيمان، والرأي تسليم بالاختلاف، فمن جعل الدين رأياً فقد جعله خلافاً، ومن جعل الرأي ديناً فقد جعله شريعة». واحتكار الدين لصالح جماعة سياسية يعطيها الحق في الاستقواء بالدين على جميع من عداها، والمشكلة تنشأ بالخلط بين الرأي في الدين، وبين الدين ذاته. فالدين سماوي كلي الصحة، في حين إن الرأي معطى إنساني نسبي الصحة.