ثقافة

خارج المتاحف وفي صلب المجتمع

محمد خليفة المبارك *

في الوقت الذي تتسارع فيه المبتكرات الحديثة وتتطور التكنولوجيا بشكل مذهل لتنقلنا إلى مرحلة متقدمة من الوجود الإنساني على الأرض، يبدو أن العودة إلى الجذور والحفاظ على التراث الثقافي حياً قد أصبح أحد التحديات الكبرى في مجتمعات معاصرة عديدة، لإبقاء ذاكرة البشرية حية ومتقدة بمنجزها.
ربما يعتقد البعض أن وظائف المتاحف وأدوارها قد تقلصت في ظل الفورة التكنولوجية العارمة، غير أن دور المتاحف أصبح محورياً أكثر من أي وقت مضى في ربط الهوة بين أجيال المستقبل والجذور التي كونت هوياتهم، وهي المكان الأنسب لخلق روابط وثيقة بين أفراد المجتمع والمكونات الثقافية التي تشكل واقعهم وتصوغ يومياتهم وأسلوب حياتهم. ربما لذلك اختير شعار»المتاحف والإنترنت: مقاربات جديدة وجمهور جديد» للاحتفال باليوم العالمي للمتاحف هذا العام، فلم يعد دور المتاحف مقتصراً على عرض المقتنيات النادرة والتاريخية الهامة والأعمال الفنية المؤثرة، بل أصبحت المتاحف مطالبة بلعب دور أكبر في التوعية المجتمعية وتمكين التبادل الثقافي، والمساهمة في إثراء الثقافات المحلية بانفتاحها على العالم، وتنمية التفاهم المتبادل والتعاون وتحقيق السلام والتقارب بين الشعوب.
كل ما سبق ليس مجرد شعارات عريضة نرددها في الإعلام، بل هي حاجات ضرورية تفرضها التحولات التي شهدتها المجتمعات الحديثة مؤخراً، سواء بتأثير التكنولوجيا التي جعلت العالم على بعد بضعة أزرار فقط، أو بتأثير الدروس المستفادة من الحروب والصراعات الطويلة غير المجدية، وأيضاً الوعي بأن التنمية المثمرة والمستدامة لا يمكن تحقيقها إلا في ظل الاستقرار طويل الأمد. إنها ظروف تحتم على المتاحف أن توظف إمكاناتها المذهلة للتواصل مع المجتمعات المحلية، بما فيها المشهد الثقافي والبيئات الطبيعية، وذلك لخلق الاهتمام لدى جمهور ذو طبيعة مختلفة، أو إيجاد وسائط جديدة تدفع بالمجموعات المتحفية والفنية خارج الجدران والغرف المغلقة.
كان افتتاح متحف اللوفر أبوظبي على ضفاف الخليج العربي في نوفمبر الماضي، فتحاً جديداً في التوجه الثقافي لأبوظبي، ليس من خلال ثراء المقتنيات العالمية التي يعرضها المتحف وفق سرد متحفي مميز يستكشف المشتركات الإنسانية عبر مختلف العصور، بل أيضاً من ناحية الإقبال الجماهيري على المتحف، فصفوف الزوار إلى أول متحف عالمي في المنطقة لا تنقطع طوال أيام الأسبوع، والقاعات تحت قبة «شعاع النور» تكاد لا تهدأ طوال ساعات عمل المتحف، في دليل على رغبة الجمهور لخوض تجربة متحفية مميزة تعني كل فرد منهم بتنوع ثقافاتهم وجنسياتهم وخلفياتهم. وفي خطوة لإخراج الكنوز الفنية من صالات عرض المتحف وإتاحتها للجميع، ابتكر متحف اللوفر أبوظبي معرض «الطريق الفني»، الأول من نوعه في العالم، ووظف فيه التقنية المتقدمة لربط مستخدمي الطريق بين دبي وأبوظبي بالمتحف، وذلك بعرض صور ضخمة لأهم 10 قطع فنية يحويها المتحف على امتداد 100 كيلو متر من الطريق السريع والحيوي بين المدينتين، بينما تبث إذاعات الراديو التابعة لشركة أبوظبي للإعلام شرحاً مفصلاً وسريعاً عن كل عمل لدى مرور السيارات أمام هذه اللوحات.
ساهم المعرض في تشجيع العديد ممن يعبرون هذا الطريق المزدحم على خوض تجربة متحفية كاملة في أروقة متحف اللوفر أبوظبي، مدفوعين باللمحة السريعة التي وصلتهم وهم في مقاعد مركباتهم التي تعبر الطريق العام سريعاً، فخرج المتحف بذلك إلى المجتمع خارج أسواره وحيزه ليتفاعل مع الجميع، وليجلب المزيد من المهتمين للاطلاع على الكنوز الإنسانية في أروقته، في ابتكارٍ لأسلوب جديد يحفز المجتمع على أن يكون جزءاً من تجربة مثيرة تضعه في مواجهة كم هائل من المعرفة الإنسانية والفنون التي أبدعها البشر منذ عصور ما قبل التاريخ، فكانت تجربة تقرب المتحف من المجتمع ويصير المجتمع مركز اهتمام المتحف. ومع اقتراب المنطقة الثقافية ومتاحفها في جزيرة السعديات من اتخاذ صورتها النهائية، وفي مقدمتها متحف زايد الوطني ومتحف جوجنهايم أبوظبي، وما يرافق ذلك من تطوير للمتاحف والمباني التاريخية والمواقع الأثرية الهامة في إمارة أبوظبي تحت إشراف دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، تتضح ملامح المشهد الثقافي المستقبلي الذي تعمل على إنجازه العاصمة، من تهيئة الأجواء العامة للنمو الفكري والتبادل الثقافي على أعلى مستوى، فتتخطى المتاحف مهمتها الأساسية في حفظ الذاكرة الجمعية إلى إعطاء قيمة وروح للتاريخ بتوثيق علاقاتنا بالفنون والآثار القيمة التي بقيت من الحضارات القديمة، وتقديم فهم أوسع للتراث الذي سنتركه لمن سيأتون بعدنا ويتتبعون أثرنا.

* رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي