الاقتصادي

الثورة الصناعية الرابعة ومستقبلنا

ستلاحظ خلال قراءتك لعناوين الأخبار في كل يوم أن مفهومي الذكاء الاصطناعي والأتمتة يؤثران بشكل تدريجي على الشركات والحكومات والمجتمعات حول العالم، حيث يَقدم هذان المفهومان وعوداً بتبسيط المهام الروتينية والدخول في عهد جديد من الإمكانيات. فوفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، يمكن لمفهوم الذكاء الاصطناعي أن يزيد من إجمالي الناتج المحلي للدولة بنسبة تصل إلى 35% بحلول العام 2031، حيث تهدف الإمارات إلى أن تصبح مركزاً رائداً للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
ولعل هذه الناحية من الموضوع تعتبر مشجعة جداً، لكن وكما هي الحال عند ظهور أي ابتكار جديد، فمن المتوقع أن تشهد القوى العاملة المعاصرة مجموعة كبيرة من التغييرات المباشرة بسبب انتشار هذه التقنيات والابتكارات المؤتمتة. وسيفتح هذا الانتشار المجال أمام الاهتمام بالخطاب الذي يناقشه المسؤولون التنفيذيون والأكاديميون والمحللون والمسؤولون الحكوميون في جميع أنحاء العالم على حد سواء، حيث يخشى الكثيرون من أن يؤدي هذا التوجه إلى إلغاء عددٍ كبير من الوظائف، وبالتالي اعتباره يشكل تهديداً للقوى العاملة في عصرنا الحديث.
ويشبه هذا إلى حد كبير ما حققته الثورة الصناعية منذ قرون مضت، فنحن نشهد حالياً تأثير الثورة الصناعية الرابعة التي يتسم جزءٌ كبيرٌ منها بزيادة الأتمتة والتحوّل الرقمي وانتشار الأنظمة الفيزيائية الإلكترونية. ولم يشهد العالم قفزة سريعة وكبيرة في القدرات الصناعية هذه، منذ الحركة التي غيّرت شكل الاقتصادات الغربية من عدة قرون، والتي أعلنت بدء عصر جديد من التصنيع والنقل والعولمة السريعة. ومع ذلك، فإن التغيير سيولد اضطرابات متفاوتة دون أدنى شك، ويجب على المرء أن يحدد الفرص المناسبة ويتعرف إلى التجارب السابقة في الوقت نفسه، ومراقبة الابتكارات والأنظمة الجديدة التي تساهم في خلق وظائف وفرص إضافية. في الواقع، وبسبب الزيادة الكبيرة في عالم الأعمال التقنية والرقمية، تم إنشاء قطاعات وصناعات جديدة بالكامل يعمل فيها ملايين الموظفين خلال العقود القليلة الماضية.
وعلى سبيل المثال، فإن اختراع أجهزة الصراف الآلي وعلى الرغم من أنها أثرت إلى حد ما بتقليص عدد موظفي البنوك، فإن ذلك ساهم في خفض تكاليف تلك البنوك، حيث أصبح بإمكانها الاستثمار وافتتاح فروع جديدة في المناطق الحضرية، وبالتالي توظيف عدد أكبر من الموظفين. ومع كون الأجهزة والآلات تفتح مجالات وإمكانيات جديدة، فإن هناك عنصراً إنسانياً لا يمكننا استبداله. ففي حالة البنوك، أعيد تعريف دور الموظفين بشكل يتيح للإدارات التركيز بشكل أكبر على وظائف مثل المبيعات وخدمة العملاء والتسويق، والتي لا تعد برمجتها على «الروبوتات» بالأمر السهل. ولعل زيادة انتشار صناعات «حسب الطلب» الجديدة، مثل أوبر وكريم وديليفرو، هي خير مثال على ذلك. فقد أعطت هذه الشركات معنىً جديداً لمصطلح «اقتصاد العربة»، والذي يعني انتشار الوظائف المستقلة أو لجوء الشركات إلى التعاقد مع موظفين مستقلين بعقود قصيرة الأجل. وقد نشأت مجموعة جديدة من الوظائف لخدمة العملاء المستهدفين، ويعتمد كل ذلك على طبقة من تكنولوجيا المعلومات، والتي لا يمكن وجود هؤلاء الموظفين من دونها.
وبالنظر إلى الماضي، فقد عززت الحكومة الأميركية إنفاقها على التعليم الثانوي رداً على ندرة الوظائف الزراعية في مطلع القرن العشرين، حيث وضعت قوانين جعلت من الحضور في المدارس الثانوية إلزامياً للجميع. ومع حلول أربعينيات القرن الماضي، كانت الغالبية الساحقة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً في المدارس الثانوية، ما أدى إلى تعزيز قطاع الصناعات التحويلية، إضافة إلى ظهور وازدهار الطبقة الوسطى.
وبناءً على كل ما سبق، تتمتع الأتمتة بالقدرة على فتح الباب أمام مجموعة جديدة من الوظائف في مجالات الهندسة الميكانيكية الصناعية والهندسة الكهربائية، ويمكن أن تتوسع لتشمل الطلاب في اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما أن الأتمتة ستدفع العمال لتعلم مهارات جديدة والطلاب لمواصلة تعليمهم في اختصاصات أكثر ترابطاً مع التكنولوجيا. وتجدر الإشارة إلى أن السنوات القليلة الماضية شهدت دخول الأطفال لدورات تكنولوجيا المعلومات في عمر أصغر بكثير مما كان عليه الحال في السابق.
وكنتيجة لما سبق، يتعين على الحكومات وشركات القطاع الخاص القيام بدور قيادي. فنحن بحاجة إلى السير واعتماد نهج تعاوني لضمان أن تكون القوة العاملة المستقبلية مجهزة بالمهارات اللازمة للنجاح في الواقع الاقتصادي الجديد الذي نعيش فيه. وبالإضافة إلى ذلك، فلا يمكننا إنكار حقيقة أن الثورة الصناعية الرابعة قد بدأت بالفعل وبدأت فوائدها الكثيرة بالانتشار. وبالتأكيد، فإن التغييرات والتحديات المُزعزعة تتوافق مع التقدم، ولكن اختيارنا للطريقة التي سنتكيف فيها مع هذه التحديات هي التي ستحدد مستقبلنا في العالم الآلي ما بعد الحداثة.

فولكر بيشوف
مدير عام روبرت بوش الشرق الأوسط