دنيا

رمضان في الأردن.. لذة إيمانية بنكهة التقاليد

محمود الخطيب (أبوظبي)

لا ينسى الأردنيون أسواقهم الشعبية، فعلى الرغم من التطور العمراني والجغرافي والتكنولوجي الذي صاحب الشعب الأردني، كغيره من شعوب جيرانه العرب، وما رافق ذلك من نهضة تجارية، مكنت الناس من ارتياد المولات الفاخرة التي باتت تستوعب عشرات الهايبرماركت التجارية بمختلف مسمياتها العالمية، إلا أن شريحة كبيرة من المواطنين ما زالوا يفضلون ابتياع حاجاتهم الاستهلاكية اليومية من الأسواق الشعبية، حيث يشعرون بالراحة فيها على بساطتها، مفضلينها عن اتباع العروض الترويجية التي يتفنن بها تجار المولات بتنويعها، لجذب الزبائن إليهم، خاصة في مناسبة دينية مجتمعية، كشهر رمضان الفضيل.
التحضير لحاجيات رمضان، يبدأ رسميا عند معظم الأردنيين بصيام ليلة النصف من شعبان، إذ يعتبر هذا الموعد بمثابة انطلاقة فعلية لابتياع حاجيات الشهر الفضيل الاستهلاكية، وعلى الرغم من تدني المستوى المعيشي للأسر الأردنية بسبب تراكم الظروف الاقتصادية وغلاء الأسعار المتتالي، إلا أن رب الأسرة دائما ما يضع في حسبانه، التحضير للشهر الفضيل بأفضل صورة، لما يشكل هذا الشهر للأسرة من ارتباط ديني متوارث وثقافي واجتماعي، فضلا عن كون ليالي الشهر المبارك، تعد فرصة ثمينة لاجتماع أفراد العائلة معا على سفرة واحدة، إضافة إلى لقاء الأقارب والأصدقاء، ولقضاء وقت أطول في أداء العبادات.

زينة عامرة بالفرح
لا يغفل الناس فرحهم بقدوم الشهر الفضيل، فسعادتهم يمكن رؤيتها ابتداءً من تزيين جدران وشبابيك البيوت، ولا تنتهي مع طربهم بأصوات مقرئي القرآن الكريم في صلاة التراويح. وتحتل الزينة الاحتفالية التي تميز هذا الشهر الفضيل عن سواه، صدارة الاهتمام، فالاهتمام بها يعكس بشكل مباشر تعبير العائلات عن فرحتها وسعادتها بقدوم شهر الصيام، وتتنوع اهتمامات الناس بين الأسلاك الملونة التي تعطي شكل القمر والهلال، وبين الفوانيس والقناديل، لتشكل هذه الزينة ما يشبه لوحة بانورامية متعددة الألوان.

تمسك بالقديم
يحرص معظم الناس على أن تكون مائدتهم عامرة، بشتى صنوف الأطعمة، لذلك تتحول موائدهم إلى ما يشبه احتفال فريد بالمناسبة، لذلك تبقى عمان القديمة، أو ما يُطلق عليها شعبيا منطقة «وسط البلد» محجا للناس، الباحثين في أسواق المدينة العتيقة عما ينقصهم، حيث يبتاعون حاجياتهم من لحوم ودواجن وأسماك وخضراوات، وأدوات منزلية تقليدية وملابس للصلاة وغيرها، من عدة أسواق تحيط بالمسجد الحسيني، الذي يُعد من أكبر مساجد العاصمة عمان ومقصد رئيسي للصلاة فيه، ومن أشهر هذه الأسواق، سوق السّكر، وسوق البخارية وسوق اليمنية، ويحيط بهم سوق الملابس المستعملة «البالة».

طعام متشابه
لا تختلف مائدة المقتدر ماديا أو الفقير في رمضان كثيرا، فإن كانت مائدة الأول تحتوي على أصناف شتى من اللحوم والدواجن والأسماك، فالفقير أيضا يحظى بنصيبه من هذه الأنواع، على امتداد الشهر، لكن الفئتين تتشاركان، بأهمية وجود التمور والشوربات واللبن، لدى إعلان دخول وقت الإفطار، فالمائدة الرمضانية للصائم تزخر بالعديد من الوجبات المتنوعة بأسمائها وأشكالها، حيث تشتمل إضافة إلى التمر والماء والشوربة، عدة أنواع من «السلطة»، وطبق رئيسي غالبا ما يحتوي على الأرز مع اللحم أو الدجاج، إضافة إلى بعض «المقبلات» مثل «فتة الحمص» باللحم المفروم و»المخللات»، لكن يبقى لسيد الأكلات الأردنية «المنسف» طابعه الخاص، في التواجد في العزائم الكبيرة وفي اللمات العائلية، خاصة لدى اجتماع العائلة في إفطار اليوم الأول.

لا أنسى جاري
من أجمل الطقوس الرمضانية التي يحرص الناس في الأردن على المواظبة عليها، هي تفقد الجيران والأقارب خاصة من ذوي الدخل المحدود، حيث يقوم الناس بإهداء وجبات من الطعام والشراب للأقل حظا، بحيث يتسابق الناس لفعل الخير والتبرع بطرود تحتوي على مواد عينية، ايمانا منهم بالتكافل الاجتماعي بين الناس، وتخرج هذه المبادرات من باب الفردية إلى باب التكافل المجتمعي العام، حيث يلاحظ من يمر بشوارع المدن الأردنية وجود خيم مخصصة لعابري السبيل، تقدم وجبات رمضانية وقت الإفطار، تقدمها الجمعيات الخيرية تحت مسمى «موائد الرحمن».

المسحراتي بأشكال متعددة
لا يغيب المسحراتي عن ليالي شهر رمضان الفضيل، فعلى الرغم من تراجع دوره الاجتماعي بفضل تطور الوسائل التكنولوجية الحديثة، ومساعدتها على تنبيه الإنسان للاستيقاظ لوحده على موعد السحور، لكن شخصية المسحراتي ما زالت حاضرة في بعض المدن الأردنية وخاصة في الشمال والجنوب، حيث يتطوع شخص ما للقيام بهذا العمل إيمانا منه بضرورة الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الذي ارتبط بشهر رمضان ولفترة طويلة من الزمن.

تعايش غير مسبوق
يظهر شهر رمضان الفضيل للعلن، المشاعر الإنسانية الصادقة بين الأردنيين، حيث يطبق التعايش الديني بينهم بأبهى صوره، إذ يحرص المسيحيون على مشاركة المسلمين فرحتهم بالشهر الفضيل، من خلال توزيع التمور على الصائمين، وإقامة موائد الإفطار لجيرانهم المسلمين ضاربين بذلك مثالا حيا على المحبة والتآخي والتعايش والتسامح والمساندة بين أبناء الوطن الواحد.