دنيا

صلة بن أشيم.. العابد الزاهد

القاهرة (الاتحاد)

صلة بن أشيم العدوي، كنيته «أبو الصهباء»، تابعي جليل، مولع بالقرآن، عُد من أئمة زمانه، جمع خصال الخير وتميز بالزهد والتواضع، محب للعلم ومجالسة العلماء ومصاحبتهم.
وتزوج صلة من ابنة عمه معاذة العدوية، تقية عابدة زاهدة، فلما كان يوم إهدائها إليه، قاما وأسبغا الوضوء وسارا معاً يصليان ركعتين رغبة وحبا في سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يرتل القرآن حتى تصدع فؤادهما، فاجتذبهما خشوع الصلاة فمضيا يصليان حتى برق الفجر، فجاءه ابن أخيه، وقال: يا عم، لقد أهديت إليك ابنة عمك، فقمت تصلي الليل كله؟! فقال: يا بن أخي، إنك أدخلتَني أمس بيتًا أسكنتني به الجنة، فما زلت أنا وإياها نصلي حتى انفجر الفجر.
وتصف زوجته عبادته: كان أبو الصهباء يصلي حتى يأتي فراشه زحفاً، وقال الإمام الغزالي: كان صلة بن أشيم يصلي الليل كله، فإذا كان في السَّحَر قال إلهي ليس مثلي يطلب الجنة، ولكن أجِرْني برحمتك من النار، وقال ثابت البناني إن صلة بن أشيم كان يقول: ما أدري بأي يومي أنا أشدُّ فرحًا، يوم باكرت فيه ذكر الله، أو يوم غدوت فيه لبعض حاجتي فيعرض لي ذكر الله.
وتحلى «صلة» بالخُلق الحسن، وتميز بمعاملة الناس بالحكمة والرفق فيستميل النفوس النافرة ويستلين القلوب القاسية، فأبصر ذات يوم مع أصحابه رجلاً أسبل إزاره يجره على الأرض جر خيلاء، فأراد أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم بشدة، فقال صلة: دعوني أكفيكم أمره، فأقبل على الشاب وقال له برفق: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة، قال: وما ذاك يا عم؟ قال: ترفع إزارك فإن ذلك أتقى لربك، وأنقى لثوبك، وأدنى لسُنة نبيك، فقال الشاب في خجل: نعم، ونعمة عين يا عم، ورفع إزاره، فقال «صلة» لأصحابه: هذا أمثل، لو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه لضاربكم وشاتمكم، وابقى إزاره مجدلاً، فليكن أمره بالمعروف. وتوفي عن مئة وثلاثين عاماً في العراق.