دنيا

الصدقة تفسد.. بالمن والأذى

القاهرة (الاتحاد)

تولى الله تعالى الدفاع عن عباده الفقراء، وجعل سمو نفس المنفق بعدم منّه ولا أذاه شرطا لنيل الأجر منه سبحانه، فالذين لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذى لهم الأجر العظيم عند ربهم، وأمنوا من الخوف في الدارين، أما الذين يتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى فهم محرومون من الخير العظيم والأجر الكريم، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى? كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...)، «سورة البقرة: الآية 264».
وحثَّ رب العالمين عباده على إتمام العمل الصالح وإتقانه، وحذرهم من إبطاله وإفساده، بأي مفسد من المفسدات، كالمن والأذى في الصدقة، ومراءاة الناس بالعمل والإعجاب به، وفي هذه الآية الكريمة يوجه الله تبارك وتعالى الخطاب إلى عباده المؤمنين، فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وتصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، لأن النداء يحصل به تنبيه المخاطب، فيدل على العناية بموضوع الخطاب، ولهذا قال ابن مسعود: «إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فأرعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه».
مكملات الإيمان
كما أن في توجيه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان فوائد عدة، منها الحث على قبول ما يلقى إليهم، وامتثاله، وأن ما يذكر يكون من مكملات الإيمان ومقتضياته، ومخالفته نقص في الإيمان، فقد نهى الله عباده في هذه الآية عن إبطال صدقاتهم وإفسادها بالمنّ والأذى، فقال لا تُبْطِلُوا أجور صدقاتكم بِالْمَنِّ على السائل.
وقال ابن كثير، يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مَنَّا على من أعطوه، لا بقول ولا فعل، لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان، ووعدهم اللّه الجزاء الجزيل على ذلك، بأن ثوابهم على الله لا على أحد سواه، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
فأخبر الله أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، كما تبطل صدقة من يرائي بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية.
ضياع العمل
وقال الإمام السعدي ينهى الله تعالى عباده لطفاً بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمنّ والأذى، فكما أن الحسنات يذهبن السيئات، فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى، وأنتم وإن قصدتم بذلك وجه الله في ابتداء الأمر، فإن المنة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم بمنزلة الذي يعمل لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا شك أن عمله من أصله مردود، لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة وسعيه غير مشكور.
وقال ابن جرير الطبري، لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله رئاء الناس، بأن ينفق ماله فيما يرى الناسُ أنه يريد الله فيحمدونه عليه، فيقولوا هو سخيّ كريم، ورجل صالحٌ، ولا يعلمون ما هو مستبطن من النية.