دنيا

رمضان في الإمارات.. العالم تحت مظلة التعايش

أحمد النجار (دبي)

أكد مواطنون ومقيمون، أن شهر رمضان المبارك له نكهته الخاصة في الإمارات، حيث يكتسب قيمة روحانية وخصوصية حضارية، مع وجود قيم متأصلة في جوهر أخلاقيات المجتمع الإماراتي الذي توحده بأشقائه العرب والمسلمين روابط الدين والعادات والتقاليد المشتركة، التي تجسدها طقوس يومية وممارسات سلوكية وحياتية وموروثات تعبدية مختلفة، مشيرين إلى نقاط الالتقاء والاختلاف في يوميات رمضان ولياليه، وأبرز الظواهر والأنشطة والأكلات والوجدانيات النابضة في أوساط الأسرة العربية، كما يتميز رمضان في الإمارات بحسبهم بكونه مظلة خير وارفة تجمع المقيمين وسط أجواء احتفالية وليالٍ نابضة بنفحات التسامح ودفء التعايش.
وتزدهر فيه الصدقات وأعمال الخير، ويتسابق المتطوعون لإطعام الصائمين في الشوارع والخيام المنصوبة في كل حي، إلى جانب الفعاليات الترفيهية والعروض الترويجية والتسهيلات التي ينتظرها الجميع من شهر لآخر.

الأيادي البيضاء
وأكد إبراهيم بكر محمد، رب أسرة مصري، بأنه كل عام يحنّ لقضاء شهر رمضان في بلده وسط عائلته الكبيرة وجيرانه وأهل منطقته، حيث تجمعهم عشرة طويلة وذكريات عزيزة تجسدت في طقوس يومية مختلفة، سواء في وقت الإفطار الجماعي أو بتبادل زيارات للإفطار والسحور، وتقاسم الود العائلي، وتعزيز أواصر القربى والترابط الاجتماعي بين أبناء الحي الواحد، الذين سرعان ما تذوب كل الأحقاد وتتبخر والخلافات مع أول يوم رمضان، وتبرز قيم المصالحة والتسامح الذي يغسل القلوب ويصفي النفوس لتعود مياه العلاقات إلى مجاريها، وعلى الرغم من القيمة الروحانية التي تميز رمضان في بلده، إلا أنه يرى بأن رمضان الإمارات مختلف بأجوائه ودفئه الاجتماعي، وحيث يتسابق أصحاب الأيادي البيضاء لفعل الخير وإكرام الصائمين وإطلاق مبادرات تطوعية وخدمية وتبرعات يستفيد منها الجميع.
واعتبر أن الإمارات تمتلك كل مسببات وعناصر الضيافة، سواء مع وجود الخيام المنتشرة الجامعة للمقيمين والمواطنين ضمن جلسات اجتماعية وثقافية أو من خلال المناسبات التي تقيمها مؤسسات وشركات حكومية وخاصة لبث روح التكافل وتحقيق الرفاهية التي تجمع كل الجنسيات عرباً ومسلمين تحت مظلة التسامح والتآخي.

زيارات أسرية
وكحال أي بلد عربي وإسلامي، فإن الإمارات بحسب رياض قشاعنة، سوري، تستقبل رمضان بحفاوة، تبث نفحات روحانية على الحياة والناس، وتظهر ملامحه في سطوع أنوار المساجد الحاضنة للمصلين الذين يحرصون على أداء الفرائض والتراويح مع الجماعة، وتتجلى في إحياء الشوارع بإعلانات المسلسلات والبرامج والخصومات وعروض التخفيضات السارة، وتزدان الأحياء وواجهات المنازل بالأنوار والحياة.
وأضاف: هناك طقوس عايشناها مع إخواننا الإماراتيين، فيما يعرف بـ «حق الليلة» التي تحتفي بقدوم رمضان من خلال أنشطة ومظاهر ابتهاجية وأكلات شعبية ترتبط ذكراها ونكهاتها مع ليالي رمضان، كما تبرز قواسم رمضانية مشتركة بين الإمارات وبلدان عربية وخليجية، بل إنها تكاد تتطابق مع اختلاف المسميات، حيث تنسجم معظم الطقوس، سواء في سفرة الإفطار أو بتفاصيل العبادة، وتبادل الزيارات الأسرية لإحياء ليالي رمضان.

أغان شعبية
وقال سعيد حمد الخاطري، إن رمضان في الإمارات، يرتبط بموروثات قديمة، يحييها الكبار والصغار لتبقى خالدة في وجدان الأجيال القادمة، فعلى سبيل المثال، يتم استقبال رمضان بمظاهر احتفالية، حيث تعود كثيرون على أغانٍ شعبية مرتبطة بموروث الآباء والأجداد من خلال مثل «قرقع قرقع قرقيعان»، التي تقام لها تظاهرات يحييها الأطفال، وجرت العادة على الاجتماع لدى كبير العائلة، سواء الجد أو الأب على مائدة واحدة، ويحرص أفراد العائلة أو الضيوف المدعوون على إعداد أطباق خاصة وجلبها معهم لمشاركتها مع الجميع، وهذه عادة أصيلة لا تزال حاضرة في وجدان الكثيرين..
وفي بلدان عربية مثل دول المغرب العربي، تتخذ مظاهر أخرى مقاربة، حيث يقول توفيق بو شيخي مغربي، بأن موائد البيوت تتحول إلى مشاريع للخير، وتبرز صلة الأرحام بشكل لافت بين الأهل والأقارب، ويدأب الجيران إلى تبادل الزيارات وإقامة المجالس الرمضانية ويستفاد منها لتنظيم أنشطة خيرية ومنافع ومسابقات دينية وثقافية يستفيد منها الجميع.

ثقافة الإيثار
وينفي عماد الحسني، سوداني، وجود اختلافات جوهرية بين رمضان في بلاده أو على أرض الإمارات باستثناء لمّة العائلة، وروح الألفة التي تصبح شعاراً وسلوكاً بين أبناء المجتمع ككل، أما بالحديث عن خصوص رمضان وروحانيته في الإمارات، فإنها تتفوق على كل البلدان العربية في إشاعة فعل الخير والتنافس فيه كونه ثقافة متجذرة ورثها المجتمع من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي يرتبط اسمه وحكمه بالخير الذي لا يزال يمتد من جيل إلى جيل، وتتميز أجواء رمضان هنا في بلدي الثاني بالدفء الاجتماعي الذي يزيح الغبار عن معادن الناس، وتزداد القربى والتواد وتلين القلوب ويتكاتف الجميع وتشيع ثقافة الإيثار، وتشعر بالسكينة في كل مكان، سواء في المسجد أو في العمل أو الشارع، حيث تخف حدة التوتر وتقل الضغوط، وتتوافر الموائد بكل الأصناف، فلا تكاد تجد مسكيناً أو فقيراً أو شخصاً محروماً في أرض الخير والبركات.

كل سكان الحي
أميمة العاصي، فلسطينية ولدت في الإمارات، قالت إنها لا تفضل قضاء شهر رمضان في بلد آخر، ذلك لما توفره الإمارات من أجواء روحانية ومتنفسات وأسواق ومجالس عربية وخيام رمضانية، حيث تعتبر قضاء الشهر في الإمارات له نكهته وخصوصيته وقيمته، عوضاً عن كونه يجمع العالم عرباً ومسلمين، ضمن توليفة طقوس روحانية تعمّها أجواء التسامح، حيث تشعر بروح احتفالية تمزج بين تقاليد الماضي ونفحات التراث والطابع العصري، يتصدرها بالطبع «مدفع رمضان» الذي يعتبر تقليداً سنوياً، يلتف حوله الناس في أماكن جذب ومعالم سياحية في كل إمارة، وتقام فعاليات ومسابقات وأنشطة مختلفة، فعلى سبيل المثال، تشهد الشارقة تظاهرة اجتماعية كبيرة، ضمن برنامج «مدفع رمضان»، والذي يطل من خلالها المقيمون العرب والمسلمون لنقل تحياتهم وتهانيهم إلى أهاليهم في بلدانهم، مشيرة إلى أن هذه الأجواء تمثل خصوصية روحانية لنكهة رمضان في الإمارات.

أكلات شعبية وتسوق
أشار فايز البشير، أردني، إلى أن خصوصية رمضان في الإمارات، مختلفة في نواح عديدة، حيث لا يجد المقيمون مثلاً أي فرق في عيش أجواء رمضان تشبه بلدانهم، من ناحية أصناف الأكلات والأطباق الشعبية التي تربطهم بروحانيته، حيث تتوافر المطاعم التي تمثل كل بلد في الإمارات، وتتسابق إلى تقديم أطباق ومأكولات مرتبطة بذاكرة رمضان في كل بلد عربي أو مغاربي أو آسيوي، ويمكن تجربة الأكلات الإماراتية في رمضان، مثل الثريد والسمبوسة والهريس واللقيمات، وغيرها.
وقال المراكز التجارية والمقاهي وأماكن الجذب تفتح أبوابها في رمضان حتى حلول الفجر، ويمكن قضاء أروع الأوقات مع الأصدقاء وتناول وجبة السحور، ويعد التسوق عنصراً جاذباً في رمضان، حيث تزداد العروض والخصومات، ما يفتح شهية الصائمين لاختيار وجهاتهم واقتناء أغراضهم واحتياجاتهم بأسعار منافسة على امتداد الشهر الكريم.

الخيام والمجالس
أوضح ذياب السرحان، طالب سعودي يدرس في الإمارات، أن هناك تشابهاً كبيراً بين طقوس رمضان في الإمارات أو السعودية، حيث يعمد كثيرون بعد الإفطار، إلى الذهاب إلى حضور المجالس والخيام التي تنتشر في مختلف الأحياء، وتعد ظاهرة في الإمارات، ومكاناً مثالياً لتبادل الأحاديث، وإبراز عناصر الضيافة، كالقهوة والتمور والحلويات، وخوض نقاشات في أمور مختلفة، والتعرف إلى أشخاص جدد.