دنيا

حرم السفير المغربي لـ «الاتحاد»: رمضان ملتقى الثقافات على مائدة الإفطار

حرم السفير المغربي تقدم أطباق الطعام لضيوفها (تصوير حميد شاهول)

حرم السفير المغربي تقدم أطباق الطعام لضيوفها (تصوير حميد شاهول)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تزور «الاتحاد» بيوت عقيلات، سفراء دول إسلامية، مقيمات في الإمارات، لتستكشف عادات وتقاليد الشعوب خلال الشهر الفضيل، الذي يجمع ويوحد بين المسلمين في شتى أرجاء العالم، مهما تباعدت المسافات والقارات. لكن بالطبع، يضع كل مجتمع بصماته الفريدة وفقا لتراثه وبيئته، على مختلف طقوس شهر الصوم ، بدءا من استطلاع الهلال واستقبال الشهر ، حتى الاحتفال بعيد الفطر. كل هذا ترصده «الاتحاد» على مدار الشهر الفضيل،عبر حواراتها اليومية مع قرينات السفراء.

تشهد المغرب، وفق عقيلة سفيرها في الدولة، نزيهة بن زاكور، حيوية استثنائية بحلول شهر رمضان المبارك، حيث تتوطد العلاقات الاجتماعية، ويزداد الإقبال على ارتياد المساجد ليس لأداء الصلوات لوقتها فقط، بل للاستفادة من حلقات الذكر، وتحفيظ القرآن، التي تقام فيها.
وتلفت إلى حلقات «الدروس الحسنية»، التي تستضيف كبار علماء الدين حتى باتت طقسا ثابتا على أجندة المملكة الرمضانية. فيما تجتهد المرأة في إعداد أطباق تقليدية تزين مائدة الإفطار التي غالبا ما يحضرها ضيوف من الأقارب والأصدقاء.
وتؤكد بن زاكور أن المطبخ المغربي متنوع بتنوع جغرافيته، إلا أن المغاربة يفضلون الإفطار على الحليب والتمر وحساء الحريرة وحلوى الشباكية، قبل أن يستمتعوا بما لذ وطاب من المعجنات و«المورقات»، التي تمهر المرأة المغربية في إعدادها وتتسابق الفتيات في ابتكار أطباق أصيلة بلمسات عصرية.
عن عادات وتقاليد وطقوس الصوم خلال الشهر الكريم تقول نزيهة بن زاكور إن رمضان في المغرب يكتسي طابعاً خاصاً، حيث تعكس طقوسه في المغرب، التزاوج المدهش بين الثقافات العربية والأمازيغية والأفريقية والأندلسية التي امتزجت بتاريخ المغرب.




قبل الشهر
وقبل قدوم الشهر الفضيل، تفوح في الأزقة والشوارع بالمدن العتيقة وبالقرى رائحة خليط من نكهات عدة، من بينها روائح تحميص الدقيق واليانسون والزنجلان «السمسم»، وغير ذلك من المكونات التي تدخل في إعداد الطبق الشهير «السفوف» أو «سلو»، وهما خليط من اللوز وبعض الحبوب والمطيبات، التي تخلط بزيت الزيتون والعسل، مع بعض الفوارق البسيطة، وهما من الأطعمة، التي تمد الجسم بالطاقة، وتنتشر أيضاً رائحة إعداد حلوى «الشباكية» التي تتفنن السيدات المغربيات في تجهيزها.
وتقول حرم السفير المغربي، إن المرأة المغربية كانت تعد جميع الحلويات الخاصة برمضان قبل قدومه بفترة، حيث تتجمع نساء العائلة أو الجيران لغسل وتنظيف حبوب السمسم واليانسون وحبة حلاوة وباقي المكونات التي تدخل في إعداد السفوف، ودقها يدوياً، ثم إعداد الكثير من أصناف الحلويات، وانتقلت هذه المهارة للفتيات، موضحة أن المغربية لا تكتفي بإعداد الحلويات، بل تعمل على تجهيز البيت وإعادة ترتيبه وتغيير الديكور وتجهيز المفارش المطرزة للمائدة الرمضانية.
وأشارت إلى أن المغربية لديها مهارات عالية في فنون الطبخ، ما يجعلها تبدع أشهى الأطباق خلال رمضان ولا يكاد طبق يشبه الآخر طوال الشهر الكريم مع الحفاظ على بعض الأنواع الأساسية، مثل طبق الحساء، الذي يختلف من منطقة لأخرى، بالإضافة إلى الشاي والقهوة والحليب والتمر.

احتفالات «شعبانة»
ووفق عقيلة السفير المغربي محمد آيت وعلي، فإن المغاربة يستقبلون شهر رمضان باحتفاليات خاصة، حيث تتزين النساء بنقوش الحناء والملابس التقليدية الفاخرة، وتسمى هذه الاحتفالات بـ «شعبانة»، ويغلب عليها طابع المرح والبهجة، وتقدم فيها المأكولات الفاخرة، كما تزيد في رمضان التجمعات العائلية، حيث يجتمع الأولاد في البيت الكبير أول يوم رمضان وفي منتصف الشهر وليلة القدر وخلال عطلة نهاية الأسبوع، وهناك من يقضي رمضان مع والديه، خاصة المتزوجين، حيث يحرص المغاربة على صلة الرحم وتناول وجبات الإفطار في جماعات، فضلاً عن الحرص الشديد على أداء الصلوات الخمس بالمساجد، وكذلك صلاة التراويح.
ويترقب المغاربة الإعلان عن الشهر الفضيل بطلقات المدفع وعرض «وصلة مزمار» على شاشات القنوات، فينطلق «النفار» أو «المسحراتي»، فيحدثون حركة اعتادها الشارع، ولها مكانة خاصة في الثقافة المغربية، حيث تؤكد بن زاكور أن هذه العادة مزدهرة في المملكة، رغم الانتشار الواسع للتكنولوجيا، خاصة في المناطق الشعبية، حيث ينطلق الجميع في حماس، وسط طقوس توارثها المغاربة.

احتشام
ويُعرف الشارع المغربي بالاحتشام، حيث تحرص السيدة المغربية على ارتداء «الجلّابة» خلال خروجها للعمل، بينما يتوجه الرجال إلى المساجد لأداء صلاة المغرب، ثم التراويح، وتنشط حركة البيع والشراء في الأسواق، وتعج محال الحلويات بالصائمين قبل الإفطار، كما يقبل الناس على شراء الأسماك، لتجهيز أنواع عديدة من المملحات، وتنتعش أيضاً أسواق الخضراوات والفواكه.

صيام الأطفال
وتتنوع العادات والتقاليد في المغرب خلال رمضان، عند صوم الصغار، حيث تحتفي كل منطقة عند الإفطار وليلة القدر بالأطفال، الذين يصومون للمرة الأولى في مواكب فرح، فالبنت تُحمل في الهودج مزينة بالحلي كعروس صغيرة، بينما الأطفال يجوبون المكان على صهوة جواد ترافقهم فرق موسيقية، وقد تحولت الظاهرة من تشجيع ومكافأة على الصوم إلى احتفالية تغص بها المدن، وتتناول الطفلة التي تصوم للمرة الأولى «التمرات الأولى» بين أفراد عائلتها، وتختلف طقوس إفطار الأطفال من منطقة لأخرى، فهناك من يضع قطع ذهب تحت لسان الفتاة الصائمة وتشرب الحليب، وغير ذلك من العدادات التي تحتفي بصيام الصغار.

عيد الفطر
لعيد الفطر نكهة خاصة في المغرب تختلف مظاهره من المدينة إلى القرية، وله حلويات وأزياء تقليدية تميزه في منطقة عن الأخرى، ولكن يتشابه الجميع في إعادة ترتيب البيت وتنظيفه وتجهز الديكورات ومفارش الموائد لاستقبال العيد بما يليق بهذه المناسبة العظيمة، حيث تقول عقيلة السفير المغربي: تبدأ الأيام الأولى من رمضان بتجهيز الحلوى أو الملابس التقليدية الخاصة بالعيد، قبل حلول رمضان، خاصة أن إعداد الزي التقليدي يلزمه وقتا طويلا، ويشهد الخياطون إقبالاً كبيراً خلال تلك الفترة، لدرجة أن يتوقف عن استقبال أي طلبيات قبل رمضان بأيام. وأضافت: يوم العيد يخرج الرجال للصلاة في أبهى حلة، وترتدي النساء والصغار أجمل الثياب لاستقبال الزوار، ويعد الشاي المغربي والحلويات التي تصنع عادة من اللوز، مع زينة الجلسات العائلية صباح يوم العيد، أما مائدة الغذاء، فتضم ما لذ وطاب، حيث يحتل الكسكسي مكانة مهمة خلال هذا اليوم.

الدروس الحسنية
يحتفي الشهر الكريم في المغرب بالفضائل الرمضانية خلال مجالس الذكر، حيث السنّة الحميدة التي انتهجتها المملكة المغربية، باستضافة نخبة من العلماء الأجلاء من حول العالم لإعطاء الدروس الدينية، وذلك قبل أذان المغرب بساعة ونصف الساعة، ويبث الدرس مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون، ويستهدف التوجيه والإرشاد وبناء شخصية المسلم المتزن الإيجابي في محيطه ومؤسسته ووطنه.
وتميزت المرأة المغربية العالمة في إلقاء الدرس، فأصبحت ظاهرة ثقافية دينية منذ بدأها الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، في عام 1963.

أجواء روحانية
تشير نزيهة بن زاكور، إلى أن المغرب يعيش ظاهرة نجومية المقرئين، الذين يتمتعون بأصوات جميلة، وبات المصلون يتوجهون للمسجد الذي ذاع صيت مقرئيه بين الناس، ويقطعون مسافات للتنقل بين المساجد لحجز مكان، خاصة خلال العشر الأواخر، حيث لا تفرغ المساجد إلا بعد صلاة الفجر.
وقالت: في شهر رمضان يقبل المغاربة على تلاوة القرآن الكريم والصلاة في المساجد، وتشهد الكتب الثقافية والدينية رواجاً كبيراً، حيث يقبل الأهل على القراءة، ويقوم كبير العائلة بشراء مجموعة كبيرة من المسابح ويهديها للأطفال، كما يحرص على اصطحابهم للمسجد، كما تظل الشوارع مضاءة ولا تهدأ حركة المارة من النهار حتى مطلع الفجر، ‏ويشهد المغرب خلال شهر رمضان إقامة الكثير من موائد الإفطار الجماعي، التي تنظمها الجمعيات الخيرية. وتؤكد أن المائدة المغربية حافظت على العادات منذ القدم في المدينة والقرية مع مراعاة التنوع الثقافي، واختلاف أنواع الطعام، حسب تنوع الإنتاج الزراعي.