دنيا

«الراكب الآلي» و«ميكروبات معدة الجمل».. مشروعان على طريق الإنجاز

مع الكادر// آية العسالي (تصوير حميد شاهول)

مع الكادر// آية العسالي (تصوير حميد شاهول)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)
يحتضن معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا، أبحاثاً من المتوقع أن تكون نتائجها ذات مردود اقتصادي يسهم في دفع عجلة الابتكار وتنمية رأس المال البشري والفكري في الإمارات. من بينها مشروع تطوير «الراكب الآلي»، وبحث لاستغلال ميكروبات معدة الجمل لصناعة وقود حيوي، يقوم عليهما شابان مواطنان يسعيان لوضع الدولة على خريطة الابتكارات الحديثة. «الاتحاد» زارت المعهد، ودخلت مختبراته، التي تعج بتجارب وابتكارات طلبة يعملون على التوصل إلى نتائج تضاف إلى الإنجازات العلمية الإنسانية.
رياضة شعبية
فكر سعيد النوفلي في تنفيذ جهاز الروبوت «الراكب الآلي»، الذي يستعمل في سباقات الهجن، لزيادة فاعليته، وتحقيق مزيد من النتائج الإيجابية، ما جعله يبتكر جهازاً يقيس سرعة الجمل، ويتتبع سرعته عن بعد خلال السباق، إلى جانب قدرته على جمع وتحليل ومقارنة مسيرة الجمل والقطيع بشكل عام، مستغلاً التكنولوجيا الذكية في تطوير هذا الجهاز، الذي من المتوقع أن يحدث ثورة في الرياضة الأكثر شعبية في الإمارات والخليج، كونه سيقدم حلولاً فعالة لعاشقي هذه السباقات ومحبيها محلياً وإقليمياً.
والنوفلي ليس الوحيد، الذي يتابع بحثه المبتكر، الذي يركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة بمعهد مصدر فهناك كثير من طلبة الماجستير والدكتوراه الذين يعملون على تحقيق نتائج مبهرة من خلال البحوث، التي تتخذ من المواد والبيئة المحلية مادة خصبة للبحث والتطوير عبر أحدث وسائل التكنولوجيا.
ويقول النوفلي، طالب ماجستير هندسة وإدارة النظم في معهد مصدر، الذي يصنف ضمن «أفضل الجامعات في المنطقة العربية» في مجال البحث العلمي، وفق «تقرير أخبار الولايات المتحدة والعالم» لعام 2015 في أول إصدار له عن أفضل جامعات العالم العربي: إنه كان دائم التفكير في تطوير الروبوت «الراكب الآلي»، الذي يوضع على ظهور الجمال خلال السباقات، موضحاً أن الروبوت المستعمل حالياً كان حلاً سريعاً وبديلاً لاستعمال الأطفال في السباقات مما جعله يحمل بعض العيوب. ويرى أن بحثه سيغير مفهوم سباقات الهجن محلياً وإقليمياً، وسيزيد فاعلية النتائج، ويقلل التكلفة والحوادث.
ويوضح: «البحث عبارة عن دراسة شاملة استغرقت سنة وأربعة أشهر ولا يزال خاضعاً للتطوير، والبحث بدأ بفكرة كيفية تطوير الراكب الآلي للتقليل من حوادث السيارات، بحيث يتبع كل متسابق جمله عبر سيارة، لقيادة الروبوت عن بعد، لكن عبر مسافة قصيرة، ما ينجم عنه حوادث، بالإضافة إلى الخسائر المادية، ولكن عندما التقينا عشاق السباق ميدانياً، ونتيجة استبيانات ومقابلات شخصية اتضح أنهم يرغبون في تطوير آلية العمل وتطويرها، ما جعلنا نعمق البحث ونضيف بعض النقاط».
منظومة متكاملة
تطوير «الراكب الآلي» سيشتمل على جهازين، الأول منظومة متكاملة تساعد المتسابق في التحكم في الجمل خلال السباق عن بعد يتراوح بين 500 و1000 متر، ما سيحقق رؤية واضحة في السباقات، بحيث سيقيس سرعة الجمل ويتابع نبضات قلبه، والثاني جهاز يستخدم للتدريب ويسمح بمعرفة الأوقات التي تكون فيها بعض الجمال أكثر عطاء، وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي تتعلق بالجمال السبوقة.
وعن الجديد الذي أضافه، يقول النوفلي «أدخلت التكنولوجيا الذكية في تطوير هذا الروبوت، كالأيباد والهاتف النقال، بديلاً عن التكنولوجيا البدائية كالراديو الذي كان يحدث تشويشاً خلال السباقات، بحيث تتداخل الترددات والرسائل، كأن يتلقى الروبوت رسالة خاطئة من متسابق آخر».
ويهدف النوفلي من الاختراع إلى «إطالة عمر الجهاز، وتحقيق الاستدامة، والمساعدة على تصنيف الجمال الصالحة للسباقات، وتسعيرة الجمل، والاحتفاظ بتاريخ توثيقي للجمل وتطوره بما يسمح بمقارنة بينه وبين باقي الجمال».
وحول التحديات التي واجهها بحث النوفلي، يقول: «لم تكن هناك مصادر أو وثائق تساعد في دعم البحث، ما جعلنا نستغرق وقتاً طويلاً في إجراء البحوث الميدانية والاستبانات ومقابلة عشاق هذه الرياضة، وبدأنا من الصفر لنبني هذا الابتكار، كما زرنا جمعية تنظيم سباقات الهجن في الإمارات، وحاولنا حصر أعداد الجمال والتسابقين في الإمارات والخليج، لنعرف مدى احتياجاتهم لمثل هذا الجهاز».
وفاز بحث النوفلي، الذي يقوده معهد مصدر، في مسابقة «رواد التكنولوجيا»، التي نظمتها جامعة أبوظبي وصندوق خليفة لتطوير المشاريع.
ويقول: «شاركت في «حاضنات الأعمال»، وهي برامج مصممة لدعم تطوير وإنجاح الشركات الناشئة عن طرق تزويدها بمجموعة من موارد الدعم والخدمات المصممة والمدارة من قبل إدارة الحاضنة، بحيث كان الهدف من دخول المسابقة في الأساس تطوير المشروع من الناحية التسويقية، حيث تم تخصيص مدربين مختصين في هذا الإطار ما سيسهم في استثمار الفكرة وتسويقها».
فكرة رائدة
تقف علياء الطنيجي، ماجستير هندسة مياه وبيئة، في مختبر معهد مصدر تتطلع إلى جهاز تم تركيبه حديثاً يحاكي معدة الجمل، لاختبار نتائج بحثها، الذي يتعلق «بقياس كفاءة الميكروبات الموجودة بمعدة الجمل في عملية إنتاج المركبات العضوية». وتوضح الطنيجي أنها متحمسة جداً للنتائج التي ستفرزها هذه التحاليل المخبرية، لافتة إلى أن الفكرة معمول بها في بنجلاديش، وأميركا والبرازيل، لكن مع اختلاف المصدر والبيئة، بحيث يتم استخراج هذه المادة من معدة الأبقار التي تنشأ في بيئة عشبية وتتطلب شرب كمية كبيرة من المياه، لينتجوا منها الوقود الحيوي ويعيدوا تكرير المواد العضوية بطريقة صديقة للبيئة، مشيرة إلى أن البحث يتشابه مع هذه الفكرة، لكنه يختلف من حيث حجم معدة الجمل وآلية عملها، ومن حيث مكونات الرعي والمياه.
ولم تنطلق الطنيجي من بحوث موجودة، بل بدأت من جديد، ما جعل البحث يستغرق وقتاً طويلاً في جمع الدراسات والمعلومات ومقارنتها. في هذا السياق، تقول: «كل الدراسات تتعلق بمعدة البقر، فيما معدة الجمل مختلفة، وبالتالي فالنتائج متباينة»، مضيفة «لتحقيق نتائج أفضل كان علينا جمع عينات من معدة الجمل وزراعتها مع أنواع مختلفة من الغذاء وتحت ظروف تتشابه مع ما وضع للبقر استناداً إلى الدراسات السابقة، فاكتشفنا أن الميكروبات في معدة الجمل، لديها القدرة على تفكيك المواد العضوية إلى مواد كيماوية في زمن قصير مع حاجة أقل للمياه، وإمكانية استعمال المياه المالحة، وهذا الابتكار جعلنا نعتبر هذا البحث إنجازا، ولاختبار النتائج والتحقق منها صممنا جهازاً يحاكي معدة الجمل، وتعتبر عملية الاجترار عند الجمل أطول منها عند باقي الحيوانات، ما يجعل اعتماد الميكروبات فيها على الأوكسجين أقل».
وتنتظر الطنيجي بحماس نتائج البحث، مؤكدة أنه في حال الحصول على ميكروبات عضوية جديدة وبكثرة في معدة الجمل، باستعمال كمية أقل من المياه والطاقة وكفاءة أعلى ستكون النتائج رائعة إذ إن ذلك سيحدث ثورة في مجال استخراج الوقود الحيوي، وستمكن الإمارات من تأسيس سوق لبيع هذه الميكروبات للدول التي تعتمد على الوقود العضوي في توليد الطاقة».

وقود الأعشاب

في مكان آخر من معهد مصدر لا تسمع فيه إلا هدير الأجهزة وأزيزها، تنهمك آية العسالي في تجاربها بمختبر الوقود الحيوي على نوع من النباتات الجافة التي يتم جلبها من أم القوين، لاختبارها وتحليلها، وبحث إمكانية استخراج الوقود الحيوي منها، بالإضافة إلى استخدامها في صناعة مواد التجميل.
وحول فكرة البحث، تقول آية، الحاصلة على ماجستير هندسة كيماوية، إن الفكرة تقوم على تحليل النباتات الصحراوية المحلية البرية، التي لا تحتاج إلى مياه عذبة، أو أسمدة في استزراعها، لبحث إمكانية استخراج الوقود الحيوي منها. وتضيف «نجلب هذه النباتات من شواطئ أم القيوين، ونعمل على تجفيفها، وعصرها وهي خضراء لنحافظ على المحتوى الكيماوي الفعال لاستخدامه في الصناعات الصيدلانية أو الطبية أو التجميلية، بينما الجافة منها نقوم بتحليلها لنقيس قدرتها على إنتاج الوقود الحيوي»، مشيرة إلى أنها لا تزال في مرحلة التقييم، وإذا تحققت النتائج المبتغاة فإنه يمكن استزراعها على مساحات واسعة في ظروف ملائمة.