دنيا

كشف المستور

نورا محمد (القاهرة) - التقيت الفتاة في المنتدى العلمي الذي كان ينظم ورشة عمل حول الجديد في عالم الكمبيوتر.. كانت توزيع الأوراق على الحضور والمشاركين الذين كنت واحداً منهم ولفت انتباهي لباقتها في الحديث وسرعة الرد على التساؤلات والأهم الأناقة الشديدة وحسن هندامها رغم أن ملابسها من المؤكد أنها ليست غالية الثمن، ولا من الماركات المعروفة، ولكن من أوسط ما يرتديه الناس في المجتمع لديها كبرياء وعزة نفس لم تكن أبداً مصطنعة تبدو في العشرين من عمرها زهرة متفتحة في الصباح عليها قطرات الندى الصيفية وجميلة بشكل طبيعي ولم تتدخل بكثير من المساحيق مثل الفتيات.
كانت الفترة التي قضيناها معاً والتي تزيد على الشهر كافية للتعارف، ولكن ليس بشكل كامل فكل ما علمته عنها أنها من أسرة متوسطة الحال، وحاصلة على مؤهل متوسط، وتعمل هنا بشكل مؤقت لحين الحصول على فرصة عمل مناسبة، وأنها طموحة ولا تقف عند حد ولا تترك فرصة حتى تفكر فيما بعدها لا تكل ولا تمل من الحركة مثل النحلة، وهذا ما لاحظته فيها، وبالفعل تبدو دائما شعلة نشاط متقدة لا تنطفئ، تتحرَّك هنا وهناك وتتهادى مثل الأميرات في المواقف الرسمية.
رغم الفوارق الاجتماعية بيني وبينها كانت تبدو أكثر من ند وهذه طريقتها في التعامل وما جذبني إليها، فأنا شاب في الخامسة والعشرين من عمري ووالدي رجل أعمال معروف، وقد ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب، لكن ذلك لم يجعلني أهمل في تعليمي وهذا بفضل تشجيع أبي وأمي لي باستمرار منذ خطوت خطواتي الأولى إلى المدرسة، وهما يشجعاني بالهدايا حتى لو كانت قطعة من الشيكولاتة والتباهي بالمستوى الذي أحققه بين الأهل والأصدقاء، وحصلت على بكالوريوس التجارة وحاول أبي أن يقنعني بالعمل معه في إحدى الشركات، ولكني رفضت ورأيت أن أعتمد على نفسي.
وعملت محاسباً في أحد البنوك الكبرى ولم أرفض هدية أبي التي كانت سيارة شبابية فاخرة تليق بالعمل والسن معاً، ولم يكن بيني وبين أبي أي خلاف في حياتي كلها إلا بسبب لعب الكرة التي كنت أعشقها وأواجه التوبيخ واللوم من أجلها ومن أجل مشاهدة المباريات عموماً، ولا أعرف سبباً يجعل بين أبي والرياضة عداوة إلا أنه يرى أنها يمكن أن تفسد مستقبلي، وبما أنه رجل عصامي بدأ من الصفر وبنى نفسه بنفسه وكون ثروته بعرقه ومجهوده، فهو لا يريد لها أن تضيع بالإهمال من الأبناء، وقد فشلت بالفعل في مجرد النقاش معه في إقناعه بأهمية الرياضة للجسم والصحة العامة.
وأمي كانت تعمل مديراً عاماً بالحكومة، ولكنها فضلت التقاعد عند سن الخامسة والخمسين وتخصيص جهدها ووقتها للأسرة، وبما أنني أكبر أبنائها ولا أدري إن كان لديها أسباب أخرى غير ذلك، فهي ترى أنني لا أحد مثلي في الدنيا ولا توجد فتاة مهما كانت تستحقني، وعندما نتطرق لموضوع الزواج بالمزاح ونطرح فتيات للاختيار لا تعجبها أي واحدة منهن حتى من بنات إخوتها وأخواتها وبنات عمومتي، ولديها جملة مشهورة دائما تكررها بقصد أنها تريد أن تزوجني من واحدة «بنت ناس»، وأبي يؤيد رأيها جملة وتفصيلاً ويتفق معها تماماً.
لا أعرف بالضبط ماذا يعني أبي وأمي بكلمة «بنت الناس»، فمصطلح «أولاد الناس» دارج على مسامعنا وينتشر في أوساطنا كأننا من جنس مختلف عن البشر، وهم يقصدون به علية القوم من الوجهاء وأصحاب المناصب والنفوذ والسلطة، وأنا من جانبي أستنكره ولا أحب أن أسمعه وأرى أن الجميع أولاد ناس، فلا فرق بين البشر ولا يجوز أن يكون الفقر عيباً، فالفقراء لا ذنب لهم في فقرهم وضيق ذات اليد.
ومع أنني قابلت في حياتي فتيات بعدد شعر رأسي في المدرسة والجامعة والمصايف والمتنزهات وحول المسكن ومن القريبات، لكن لم تذهب واحدة منهن بي إلى ما ذهبت به هذه الفتاة، فقد استولت على عقلي وقلبي معاً، وقررت أن ارتبط بها رغم الفوارق التي بيننا، وهي من أسرة متوسطة أو بالأحرى فقيرة ووالدها عامل أجير باليومية وشقيقاها، كذلك لكن هذا كله لا يعنيني المهم مواصفاتها التي أريدها وأحلم بها مع أنها هي نفسها تحفظت على تلك الفوارق عندما فاتحتها برغبتي في الارتباط بها.
بنينا أحلامنا ورسمنا مستقبلنا معاً، وكشفت عن ذلك لأسرتي، وكانت الصاعقة الرفض التام من الجميع مع إبداء الأسباب، فهم يرون أنها ليست الفتاة المناسبة لي وأسرتها ليست التي يجوز أن نصاهرها، وهذا ليس المستوى الذي من المفترض أن نتعامل معه، فالفارق شاسع في كل شيء، وكرر أبي وأمي مقولتهما المشهورة إنهما يريدان لي عروسا «بنت ناس»، وكان هذا هو الخلاف الثاني بيني وبين أبي، ولكن هذه المرة كان شديداً لأن أمي كانت معه وفي صفه وتؤيد وجهة نظره، وبعد شد وجذب استمر عدة أشهر توقف الحديث في الموضوع، وظل معلقاً بالرفض من جانبهما وبالإصرار من جانبي، وأعلنت أنني لن أجبرهما على الموافقة ولن أتزوج إلا برضاهما، وفي نفس الوقت لن أتزوج غيرها، وجدت أن من حقي أن أدافع عن حبي وعن اختياري وعن الفتاة التي أرى أنها الزوجة المناسبة حتى فتاتي وأسرتها كان رأيهم ألا يوافقوا إلا بعد مباركة وموافقة أسرتي.
مرت سنتان على الموقف «المجمد» بلا خطوة لا للخلف ولا إلى الإمام وأنا على اتصال بالفتاة على أمل أن تأتي انفراجة للأزمة، وقد كنت مصراً على عدم التنازل لأنني أرى أنني شاب رشيد وعاقل وليس هناك شطط في أفكاري وليس من حق أحد أن يختار لي زوجتي، والفتاة لا أرى فيها عيباً واحداً يمكن أن يجعلني أتراجع خاصة وأن كل ما يطرحه أبي وأمي غير مقنع لي بالمرة وأحسبه من التصلب في الرأي والتشبث به بلا مبرر، ومع هذا الإصرار جاءت الانفراجة المأمولة المنتظرة ووافق أبي وأمي فجأة حتى أنني استغربت هذا التحول الخطير وهما يتخليان عن الثوابت والقناعات التي عاشا طوال عمرهما يؤمنان بها، ولكن فيما بعد اكتشفت انهما وضعا خطة لم أعلم بتفاصيلها.
سافرنا إليهم في المدينة التي يقيمون فيها والتي تبعد عنا بحوالي ثلاثمئة كيلومتر، وتم التعارف بين الأسرتين وقراءة الفاتحة ووضع أبي شروطاً قاسية أمامهم وهو يلزمهم بالمشاركة في الأثاث وكافة التكاليف والنفقات مناصفة، ووافقت أسرتها رغم أن ذلك لم يكن في مقدورها على الإطلاق، وإنما وسيلة للتعجيز والتراجع ليأتي فسخ الخطبة من جانبهم، لكن أباها من دون أن يكون هذا في استطاعته وافق من أجل سعادة ابنته وهذا ما جعلني أتمسك بها أكثر وأصارحهم القول فيما بعد أنني لا أريد منهم شيئاً وأنني سأتحمل كل النفقات، لكن في الزيارة الأولى، حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد فوجئنا ونحن جلوس بمشاجرة وصراخ وعويل في الغرفة الداخلية وبعدها علمنا أن العراك بين العروس وأختها الصغرى من دون مراعاة لوجودنا، وان هذا يوم إعلان الخطبة وتسبب الموقف في تكدير الصفو العام ووجدها أبي وأمي فرصة لإنهاء الزيارة فوراً والعودة في الحال وألقى إليّ نظرة ذات مغزى تعني سؤالاً أهؤلاء هم الذين ستصاهرهم؟ وادعيت بالطبع عدم الفهم وعدنا إلى بيتنا، ونحن في صمت تام طوال ساعات السفر وقلبي يرتجف خشية عودتهما للرفض، لكن كان قرارهما بعد ذلك أن أتولى وحدي التعامل مع أسرة خطيبتي ولن يتدخلا في شيء.
توالت زياراتي وأسفاري إلى خطيبتي مرة كل أسبوعين أو ثلاثة وأحياناً كل شهر وتكون بلا ترتيب أو اتصال مسبق لتكون مفاجأة سارة أحمل معي الهدايا، ولكن لا تكون الزيارة سارة لي فربما لا أجدها في المنزل وتتأخر إلى ما بعد العاشرة مساء وأسرتها لا تعرف أين هي وعندما تعود تقول: إنها كانت في بيت صديقتها أو في بيت عمها في الشارع المجاور من دون أن تبلغ أمها أو أنها خرجت في نزهة مع صديقاتها، وهكذا يتكرر الموقف بشكل مختلف كل مرة ولم يتصادف أن وجدتها في البيت عند أي زيارة وتحاملت من أجل حبي وتذرعت بالصبر خاصة وأنا أثق بأخلاقها، لكنني لا أرضى عن هذه التصرفات واشتد عتابي لها، فكان جوابها أنها ملت البقاء في البيت بلا عمل وترغب في الالتحاق بوظيفة مؤقته من أجل تضييع الوقت في نفس المجال الذي التقيت بسببه معها وهو إحدى الشركات التي تنظم ورش العمل للتدريب على الحواسب الآلية، ووافقت من أجل أن تخرج من الملل لا من أجل المال، ولكن حتى هذا لم يغير من تصرفاتها ودخلت الخلافات بيننا ووصل النقاش إلى حد التهديد بفسخ الخطبة من جانبي واعتذرت وتعهدت بأنها لن تفعل إلا كل ما يرضيني.
على الجانب الآخر عندما أصطحبها في نزهة وحدنا أجدها تميل إلى الجلوس في أماكن لا تليق بأشخاص محترمين، ومرة مدت يدها إلى علبة سجائري وأشعلت واحدة من دون أن تعير نظرات الاستغراب من جانبي لها أي اهتمام وتجاهلتها، وكنت أود أن أجعلها تفهم بالإشارة مثل كل لبيب وتتراجع من نفسها مما اضطرني إلى أن أمد يدي وأسحب السيجارة بعنف وأطفئها وأنهي اللقاء، وكعادتها تعود وتعتذر وكعادتي أقبل الاعتذار، لكن ما لم أستطع أن أقبله الخدعة الكبرى التي اكتشفتها بمحض الصدفة أن خطيبتي المصون تعمل نادلة في «كوفي شوب» لا موظفة كما أخبرتني، ولولا أنني شاهدتها بعيني ما صدقت أبداً ودارت بي الدنيا وأنا أحاول أن أكذب عيني انسحبت من أمامي، وهي تتصبب عرقاً، ولم يبق لي اختيار آخر ولا أمامي إلا أن أعتذر لأبي وأمي اللذين كشفا عن خطتهما بأن الموافقة كانت من أجل أن أعرف هؤلاء عن قرب واكتشفهم بنفسي، وكي أتأكد ماذا يقصدان بمصطلح «بنات الناس».