صحيفة الاتحاد

تقارير

الولايات المتحدة والصين: أوجـه شبـه تفـوق التوقعـات

من المستحيل أن تزور الصين هذه الأيام، من دون أن تقارن بين الدراما السياسية التي تتكشف وقائعها في بكين، وبين الدراما السياسية المشابهة في واشنطن. وفي حين أن الاختلافات بين الاثنتين عديدة، إلا أنه يؤسفني أن أقرر، مع ذلك، أن بعض أوجه التشابه قد باتت قريبة للغاية، إلى درجة تدعو للقلق.
دعونا نبدأ بحقيقة أن حملة مكافحة الفساد التي قام بها الرئيس «شي جين بينج»، قد أوجدت جواً من الخوف في الصين هذه الأيام؛ سواء من التفاعل مع الأجانب، أو قول الشيء الخطأ، أو التصرف بشكل ينم عن الإسراف والبذخ الذي قد يلفت انتباه مخبري شرطة «مكافحة الفساد». ولكن إذا كان الصينيون خائفين من أن يتحدثوا إلى بعضهم البعض، فإننا في أميركا، نسينا كيف يجب أن نتحدث، مع بعضنا البعض.
ففي واشنطن هذه الأيام، ليس من غير المألوف أن تتم دعوة الناس إلى عشاء، أو تجمع عام من دون أن يقول أحدهم في سره: «آمل ألا يكون هناك أي منهم حاضراً». ومنهم هنا ليس مقصوداً بها شخص من عرق أو لون مختلف، وإنما شخص من الحزب الآخر. بعبارة أخرى، في كل من بكين وواشنطن، بتنا نجد أن الرقابة الذاتية، والحذر من الكلام، قد أصبحا أكثر انتشاراً من أي وقت مضى- وإنْ كان ذلك لأسباب مختلفة. ففي بكين، إذا ما فعلت ذلك، فلن يتم القبض عليك؛ أما في واشنطن، فستتجنب، فحسب، الدخول في معركة.
في الوقت نفسه، نجد أنه في الصين اليوم، إذا كنت مسؤولاً في الحزب الشيوعي، أو موظفاً بيروقراطياً كبيراً، فإنه يجب عليك أن تلتزم بخط الحزب الحاكم، وإلا تعرضت للمشاكل. أما في أميركا، فإنك، إذا ما كنت عضواً في مجلس النواب أو سيناتور بمجلس «الشيوخ» عن الحزب «الجمهوري»، فإنه يتوجب عليك أيضاً أن تقترب من خط الحزب الحاكم، أو تعرضت للتطهير، وعرقلة محاولة التجديد لك في منصبك، أو حتى لتغريدة في الظهر من الرئيس. لن تتردد الحكومة الصينية في القيام بحملة دعاية لدعم الحكومة، أو الدفاع عن مصالح الصين، سواء أكانت المعلومات التي تتضمنها هذه الدعاية صحيحة أم لا؛ وهو ما ينطبق أيضاً على ترامب، والبيت الأبيض.
ومع ذلك، يمكن القول إن التملق وعدم التشكك الذي يسم تغطية وسائل الإعلام الصينية لأخبار وأقوال المسؤولين الصينيين، لا يختلف عن التملق وعدم التشكك الذي يسم أسلوب شبكتي «فوكس آند فريندز»، و«وشون هانيتي» عند مناقشتهما لما يقوله ترامب. ربما يفسر هذا- جزئياً- لماذا لا يعتقد عدد متزايد باطراد من الصينيين أننا لسنا دولة «استثنائية» كما نعتقد. والصينيون مستعدون لقول ذلك الآن بصوت مرتفع. و لقد صدمني، في الحقيقة، عدد المسؤولين والخبراء الصينيين، في ندوة جامعة «تسينجهوا» التي حضرتها، ممن كانوا على استعداد لأن يقولوا إن نظام حكم الحزب من أعلى إلى أسفل، ونظام الحزب الواحد، والرأسمالية الموجهة بوساطة الدولة، يتفوق على نظامنا الديمقراطي، متعدد الأحزاب، القائم على حرية السوق.
وكان الدليلان الرئيسان اللذان ركز عليهما هؤلاء المسؤولون والخبراء، أنه لم يسبق لبلدهم أن تعرض لأي نوع من الانهيار الاقتصادي الذي شهدته أميركا في عام 2008، وأن نظامهم لم ينتج أبداً إدارة مثيرة للجدل (على الأقل ليس منذ أيام ماو تسي تونج).
حول هذه المسألة تحديداً، كثيراً ما دفعت محاوريّ الصينيين لأن يكونوا أكثر تواضعاً، وحذراً مما قد يحمله المستقبل. كنت أقول لهم إن نظام اتخاذ القرار القائم على حزب واحد ورجل واحد، يمكن أن يتخذ قرارات كبيرة صائبة بسرعة، لكن يمكن أن يتخذ قرارات كبيرة خاطئة بنفس السرعة أيضاً. على سبيل المثال، أوردت وكالة بلومبيرج نيوز تقريراً في فبراير الماضي قالت فيه: «في عام 2008، بلغ إجمالي الدين في الصين نحو 141 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي؛ وبحلول منتصف عام 2017، ارتفع هذا الرقم إلى 256 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. والدول التي تتحمل مثل هذا القدر الكبير من الديون، في مثل هذه الفترة القصيرة، عادة ما تواجه صعوبات جمة».
لكن «شي» والحزب الشيوعي الصيني قاما- على الأقل- بتحفيز اقتصاد بلدهما من أجل تجنب أزمة اقتصادية حقيقية سواء لأنفسهم، وللعالم، في الوقت ذاته الذي أضاف فيه ترامب وحزبه «الجمهوري» مبلغ 1.5 تريليون دولار إلى ديون الولايات المتحدة، لتوفير التمويل اللازم لعملية تخفيض الضرائب للشركات والأفراد في وقت كان فيه اقتصادنا في حالة صعود بالفعل.
لحسن الحظ، لا يزال هناك فرق كبير بين أميركا والصين في الوقت الراهن: ففي الوقت الذي يسيطر فيه النظام الحاكم في الصين على وسائل إعلامه؛ فإن ترامب، رغم كل جهوده لتشويه سمعة صحافتنا الحرة، قد انتهى به الحال بالفعل إلى تنشيطها. فباستثناء «فوكس نيوز»، نجد أن هذه الصحافة قد باتت أكثر نشاطاً من أي وقت مضى. وفي حين مثلت المؤسسات وسيادة القانون في الصين- دائماً- قيداً محدوداً على قادتها، فإن المؤسسات التي بنيت على مدى 250 عاماً في أميركا، نجحت في كبح جماح ترامب. ولكن يجب على تلك المؤسسات أن تستمر في ذلك لمدة عامين ونصف العام القادمة على الأقل؛ وهو أمر لن يكون ميسوراً بأي حال من الأحوال في ظل الإدارة الأميركية الحالية، الذي لم يكن يمزح بنسبة 100 في المئة، عندما قال في مارس الماضي عن الرئيس «شي» رئيساً لمدى الحياة... اعتقد أن هذا شيء رائع، ربما نفكر في تجربة شيء مثل هذا يوما ما».

*كاتب أميركي حاصل على جائزة «بوليتزر»
في الصحافة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»