صحيفة الاتحاد

تقارير

هذا نَضْحُ الإناء.. فلا نامت أعين الجبناء!

لا يمكن أن يأخذ منك أحد شيئاً قسراً إذا كنت مستعداً أن تعطيه إياه طوعاً.. ولا يمكن أن يكلف أحد نفسه مالاً وجهداً وتخطيطاً في التآمر على العرب ما دام هناك من يعطي المتآمر أضعاف ما يريد. وفكرة أو مصطلح أعداء العرب والمسلمين فكرة ساقطة ومصطلح مزيف.. فالعرب والمسلمون أعدى أعداء أنفسهم وليس لهم عدو غير أنفسهم، ونجاح المؤامرة على العرب والمسلمين، إذا كانت هناك مؤامرة، ليس ذكاء من الفاعل، وإنما هو غباء المفعول به الذي ارتضى أن يكون مفعولاً به. وأعداء العرب والمسلمين منهم، وفكرة أو نظرية المؤامرة مجرد وسيلة لإبراء الذمة جعلت المؤامرة قضاء وقدراً لا راد لهما. وأخطر المتآمرين علينا منّا، وأخطر الجواسيس والعملاء منّا.. (والثوب العربي رقعته منه وفيه).. وقد حذّرنا الله تعالى مما نحن فيه الآن. إذ قال جل وعلا: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).. وقد تنازعنا ففشلنا، والفشل لغة هو التفرق. وذهبت ريحنا أي هيبتنا وقوتنا، وهُنّا على أنفسنا قبل أن نهون على من نسميهم أعداءنا، أو أعداء العرب والمسلمين. ولا أتذكر أن العرب كانوا أمة واحدة إلا في العيوب والمساوئ والسلبيات.
فلا تكاد ترى فرقاً من المحيط إلى الخليج في المساوئ. والطاقة التي تحرك الآلة العربية هي طاقة الكراهية والسادية؛ أي مرض التلذذ بتعذيب الآخر وإذلاله. وهو مرض عربي أو قل هو وباء عربي وبيل وعام.
وإذا ذهبت إلى أي مؤسسة عربية لتخليص أوراق أو معاملات أو إنجاز مصلحة ما، فإنك ترى السادية ماثلة أمام عينيك في أداء من بيدهم حاجتك، والسادية والكراهية على مستوى الدول والأفراد في العالم العربي بشعار (إذا قدر لا يعفو)، حتى على مستوى فرق كرة القدم والمنتخبات العربية، دائماً نفرح بهزيمة الآخر أضعاف فرحتنا بفوز فريقنا أو منتخباتنا.
أما شعارات التضامن والأخوة والأشقاء فهي شعارات بلا مضامين ولا أدلة ولا مداليل. وفكرة الدس والتآمر والكراهية ماثلة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة في أمة العرب. وفجور الخصومة واضح تماماً في سلوكيات العربي. وفجور الخصومة خصلة من خصال النفاق.
وأغنى قاموس للسب والقذف هو قاموس العرب. وليس صحيحاً أن الضمير مات، وأنه لا إخلاص في الأداء ولا إتقان للعمل.. فالضمير العربي مخلص جداً وحي ومتقن للعمل في الشر والكراهية.. وانظر إلى مثابرة الإرهابيين وإخلاصهم في الخراب والدمار والقتل.. وانظر إلى الفاسدين وقدراتهم العقلية الخارقة في الفساد وهدر المال العام، وانظر إلى المهملين وهم يمارسون الإهمال والتشويه بمنتهى الدقة.. وانظر إلى «الحوثيين» و«الإخوان» و«داعش» و«القاعدة» وهم يخلصون بلا حدود في العمالة والخيانة والتدمير. وانظر إلى الصراعات العربية كيف تُدار بحنكة واقتدار وصبر وأناة وإصرار، بينما تفشل المصالحات والمعاهدات والاتفاقيات قبل أن يجف المداد الذي كتبت به.
إنها ليست عقيدة تلك التي تحرك الفاسدين واللصوص والإرهابيين والمنتحرين، لا تصدق أبداً أنه الدين الذي يحركهم، ولست أدري كيف يكون الدين محفزاً على الشر ومحركاً للنزعات الدموية، بينما لا يحرك هؤلاء في الخير والعطاء والتعمير والتنمية والابتكار والإبداع؟ كيف يكون الدين محفزاً للطاقات السلبية ولا يكون محفزاً للطاقات الإيجابية؟
الأمر ببساطة أن العرب ليست لديهم أساساً طاقات إيجابية، وأن الطاقات كلها سلبية، والدين ليس سوى تبرير لإخراج هذه الطاقات السلبية، والطاقات السلبية هي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.. (ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار)، فالإنسان السلبي مجرد إناء مسمم كلما وضعت فيه سائلاً تسمم. فالدين نعمة وضعتها في الإناء العربي المسمم فتسممت وتحولت إلى كفر. والقوة نعمة تتحول في الإناء العربي إلى كفر وظلم وعسف. والمال نعمة يتحول في الإناء البشري العربي إلى كفر بتمويل الإرهاب والخراب والقتل بأجر. وقس على ذلك كل النعم التي تتحول في إنائنا البشري العربي إلى كفر.. مثلها مثل الذكاء والثقافة والفن والتعليم.. كل هذه نعم نحولها نحن العرب إلى نقم وكفر.. وتحل قومنا ومن حولنا دار البوار.. ودار البوار هي جهنم الدنيا أو جهنم الآخرة.. وجهنم الدنيا نصلاها يومياً بسبب الطاقات السلبية عند العرب الذين تمذهبوا وأكلتهم الطائفية وتنازعوا واستدعوا الأجنبي واستقووا به ضد بعضهم.
ووهم المؤامرة تبرير لخيبة وهوان العرب. ومحاولة يائسة للإنكار أننا فعلاً أعداء أنفسنا وأننا نتآمر ضد بعضنا، وأن فرقاً هالكة منا تخوض حروباً بالوكالة ضد أوطاننا، وأن الكراهية هي طاقتنا المحركة، وأننا نرتدي ثوب الدين لنمارس الكفر ونرتدي ثوب الفضيلة لنمارس الرذيلة. ونفسد في ثياب الإصلاح. وأن ما نراه من عوار وخراب ودمار ليس سوى نضح الإناء، فلا نامت أعين الجبناء!

*كاتب صحفي