تقارير

«حل الدولتين».. طريق السلام الدائم

قامت إدارة أوباما، خلال الآونة الأخيرة، بعملين مهمين بخصوص المشكلة الإسرائيلية- الفلسطينية: فقد امتنعت عن استعمال حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن الدولي يعدِّد التداعيات المدمِّرة لتوسيع الاستيطان الإسرائيلي على فرص اتفاق سلام يقوم على حل الدولتين. ولاحقاً، حذّر وزير الخارجية الأميركية جون كيري، في خطاب مهم، من أن النزوع نحو واقع دولة واحدة أخذ يزداد قوة وترسخاً، مشيراً إلى أن مبادئ سلام دائم يقوم على حل الدولتين.
كما اعتبر عن حق أن وفاة خيار الدولتين لا يصب في مصلحة أحد – لا الإسرائيليين، ولا الفلسطينيين، ولا الأميركيين. ونحن نشاطر كيري قلقه ونشيد باستعراض إدارة أوباما لاستنتاجات جهودها المتعلقة بالسلام على نحو مقنع وشفاف. لقد تقاسمنا على مدى عقود طويلة، سواء داخل الحكومة أو خارجها، الالتزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وأمنها.
كما تابعنا بقلق متزايد العجز عن تحقيق السلام الذين يستحقه الإسرائيليون والفلسطينيون على حد سواء، والذي من شأنه أن يخدم الأهداف الأميركية في المنطقة وخارجها. ولا شك أن الجميع مسؤول عن غياب السلام، إلا أن المصادَرة المستمرة للأراضي الفلسطينية، وتوسيع الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ 1967 يخلقان على الأرض حقائق تُعتبر السببَ المباشر للخوف من أن يغدو اتفاقٌ قائمٌ على حل الدولتين قريباً أمراً مستحيلاً.
خطاب كيري والقرار الأميركي بالامتناع عن التصويت على القرار رقم 2334 في مجلس الأمن الدولي أثارا جدلاً واسعاً، في الداخل والخارج. ونحن نعتقد أنه من المفيد التذكير ببعض الحقائق الأساسية.
إن دعم سلام إسرائيلي- فلسطيني على أساس انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 ومعارضة المستوطنات المدنية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة لطالما كانا مبدأين من مبادئ السياسة الأميركية يحظيان بتأييد الحزبين الرئيسين على حد سواء، حيث لم يقم أي من الرؤساء «الجمهوريين»، أو «الديمقراطيين» المتعاقبين بتغيير قرار إدارة كارتر اعتبار المستوطنات غير شرعية وفق القانون الدولي.
ولئن كانت كل الإدارات الأميركية لا تؤيد ترك الأمم المتحدة تضطلع بدور قيادي في هذا الملف، بالنظر إلى سجلها بخصوص إسرائيل، فإن كل الإدارات الأميركية منذ 1967 كانت تصوِّت في مجلس الأمن الدولي، من حين لآخر، على نحو يتنافى مع رغبات الحكومة الإسرائيلية.
وبينما حقّق الإسرائيليون والفلسطينيون تقدماً بدعم أميركي، ظهر إجماعٌ بين الحزبين الرئيسين على حل الدولتين. صحيحٌ أن كون الشيء محل إجماع لا يجعل منه بالضرورة أمراً صائباً، غير أن السعي المشترك وراء سلام قائم على حل الدولتين، في هذه الحالة، يستند لأرضية صلبة، إذ إنه ليس أفضل خيار متاح بالنسبة لإسرائيل، ولأولئك الفلسطينيين الذين يريدون حلاً للنزاع فحسب، ولكنه أيضاً الخيار الأفضل لمصالح أميركا الوطنية.
ثم إنه حتى في منطقة مضطربة، مثل الشرق الأوسط، فإن اشتعال البؤر الساخنة على الجبهة الإسرائيلية- الفلسطينية يذكي نار التطرف ويخدم أهداف الحركات المتشددة. ذلك أنه إذا تم استبعاد اتفاق سلام قائم على حل الدولتين من الأجندة بشكل نهائي، وتطوَّرت الأمور إلى نزاع طويل الأمد وعنيف على نحو متزايد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن تداعيات ذلك على مصالح الأمن الوطني الأميركي ستكون مثيرة للقلق، وخاصة بالنظر لالتزامنا بأمن إسرائيل.
وفضلاً عن ذلك، فعندما يشدد الرؤساء الأميركيون على معارضتهم للمستوطنات ويجددون التأكيد على دعمهم لحل الدولتين، فإنهم يقومون بما يقتضيه منهم القسم الذي يؤدونه يوم تنصيبهم – أي خدمة مصالح الأمن الوطني الأميركي. فالتزامنا تجاه إسرائيل قوي وراسخ، غير أنه لا يمكن أن يمتد ويشمل التزاماً بسياسات خاطئة تقوِّض مصالح الولايات المتحدة ورخاءها وأمنها.
كما أننا نعتقد أن رفض السلام، وتشجيع المستوطنات لا يخدمان مصلحة إسرائيل أيضاً. ذلك أننا إذا خسرنا خيار الدولتين، فإننا قد نخسر أيضاً القدرة على بناء العلاقة الأميركية- الإسرائيلية على أساس القيم المشتركة. وهذا أمر لا ينبغي التعامل معه باستخفاف.
ولا شك أن إدارة أوباما، وانسجاماً مع سياسات الإدارات السابقة، على حق في قيامها بواجبها في الدفع في اتجاه حفظ كرامة واستقرار وأمن الشعبين، كما أنها محقة في قول الحقيقة لأقرب حلفائنا، حتى عندما تكون مرة.
إننا ندرك أيضاً أن الإدارات وسياساتها تختلف، ونحن نثمّن هذا الجانب من ديمقراطيتنا ونحتفي به، ولكن التجربة تخبرنا أن خوض الحملة الانتخابية - وحتى الفترة الانتقالية - شيء، وأن الحكم وإدارة شؤون البلاد شيء مختلف تماماً. ولاشك أن إدارة ترامب، وعلى غرار سابقاتها، ستواجه تحديات ومشكلات صعبة عبر العالم، ولاسيما في الشرق الأوسط، إلا أننا نأمل أنه عندما يتعلق الأمر ببحث البدائل ودراستها، فإن زعماءنا الجدد سيرون أن الحكمة والكياسة تقتضيان الدفع في اتجاه الخيار الوحيد الممكن للسلام: فلسطين ذات سيادة ومتصلة جغرافيا فيما بينها إلى جانب إسرائيل آمنة، مع حدود متفق عليها تقوم على حدود 1967.

*مستشار الأمن الوطني الأميركي في إدارتي الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب
**وكيل وزارة الخارجية الأميركية وسفير سابق لواشنطن في الأمم المتحدة وإسرائيل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»