صحيفة الاتحاد

دنيا

عمار الموصلي.. طبيب العيون الأكثر ابتكاراً

أحمد مراد (القاهر)

من أشهر أطباء العيون في تاريخ الحضارة الإسلامية، لديه معرفة متكاملة في تشريح العيون، ملماً بأنواع الأمراض التي تصيب العين وطرق علاجها، ويعتبر من أكثر أطباء العيون ابتكاراً.
هو أبو القاسم عمار بن علي الموصلي، ولد بمدينة الموصل في العراق، وتلقى تعليمه على يد كبار المفكرين والعلماء في مدينة الموصل، وقد نبغ في طب العيون أثناء وجوده في الموصل، يقول عنه ابن أبي أصيبعة: «كان كحالا - طبيب عيون - مشهوراً، ومعالجاً مذكوراً، له خبرة بمداواة أمراض العين.
انتقل عمار الموصلي إلى القاهرة في عصر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وهناك حقق شهرة واسعة، وقد اختاره ليكون من حاشيته، وطلب منه أن يؤلف كتابا موسوعياً في طب العيون، الأمر الذي جعله يتنقل بين كثير من البلدان العربية والإسلامية ليلتقي بكبار العلماء والمفكرين، ليس فقط في العلوم الطبية ولكن في جميع فروع المعرفة، وأيضاً ليلتقي بأطباء العرب والمسلمين المتخصصين في طب العيون، وقد مارس مهنة طب العيون في كل من الموصل، وخراسان، وسوريا، وفلسطين، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومصر، وفي النهاية وضع كتابه الشهير «المنتخب في علم العين وعللها ومداواتها بالأدوية والحديد».
ويعد هذا الكتاب مرجعاً لا يمكن للباحثين وطلاب طب العيون الاستغناء عنه، ويتألف من 21 فصلاً في تشريح العين، وذكر من أمراضها 51 صنفاً، وتضمن الكتاب الكثير من الأفكار التي تعد اكتشافات علمية جليلة، وذلك لأن ذكرها لم يرد من قبل لدى أطباء العيون اليونانيين، وقد قام «داود هيرمانوس» بترجمة الكتاب من اللغة العربية إلى اللاتينية، وظل يدرس في جامعات أوروبا حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
من أهم إنجازات الموصلي العلمية اعتماده على التجارب المختبرية في علاج المرضى، حيث كان له دور عظيم في تطوير طب العيون.
في مصر أجرى عمار العديد من العمليات الجراحية، وقام بوصف دقيق لتقنية عملية القدح ل«الكاتاراكت»، وسجل عملياته وما حدث أثناءها من الاختلاطات والغرائب، كما يفعل الممارس الحاذق في الطب السريري.
استخدم الموصلي طرق عدة في إجراء العمليات الجراحية للعين، والتي لم تكن معروفة من قبل، فمثلاً كانت العملية السائدة عند البابليين لقدح الماء النازل في العين دفع العدسة المعتمة إلى داخل العين بواسطة إدخال إبرة حادة في العين، وعند وصولها إلى العدسة تدفع الأخيرة بلطف إلى أسفل، لتستقر داخل كرة العين بعيدة عن منطقة البؤبؤ، واستمرت هذه الطريقة في الحضارة وطوروها وحوروا بها، وعندما جاء عمار ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث استعمل أنبوباً زجاجياً دقيقاً ليدخله في مقدمة العين ويفتت العدسة المعتمة، ثم تمتص هذه العدسة، وكانت هذه العملية أول عملية حديثة، وظلت سائدة في الشرق ولم تنتشر في الغرب في القرون الوسطى، حتى انتقلت بواسطة العرب إلى أوروبا، فمارسها «برسفال بوث» بإنجلترا عام 1780.
يقول المستشرقان مايرهوف وهيرشبورج: عمار الموصلي من الأوائل، إن لم يكن الأول الذي أبدع في قدح العين «الكتراكتا»، وصمم وأبدع المقدح الأجوف لشفط الساد الطري، وجعله على شكل إبرة مجوفة لا يشكل استعمالها في عملية «الكتراكتا» أي خطر على العين.
كما يعد الموصلي أول من أبدع طريقة معالجة «غطش البصر» الناتج من الإصابة بالحول عند الأطفال، بتغطية العين السليمة وسبق بذلك أطباء العين في العصر الحديث بأكثر من ألف عام.