الملحق الثقافي

الحداثة المتلكئة

اللوحات من أعمال الفنان باتريك ترويتر

اللوحات من أعمال الفنان باتريك ترويتر

عبد السلام بنعبد العالي

لا أقصد بالتلكؤ عطباً لحق الحداثة، ولا مرضاً أصابها عند انتقالها إلينا. وإنما أعني به صفة جوهرية، صفة واكبت الحداثة، بمعنى أن الحداثة حتى في مهدها سرعان ما عرفت مقاومات فكانت متلكئة مواكبة لمضاداتها. وبهذا المعنى فالتلكؤ والأزمة والتأزيم من صميم حركة التحديث. كل مقومات الحداثة عرفت وتعرف أزمات. فما يميّز الحداثة في مختلف أبعادها هو تنكّرها لذاتها، هو «عقوقها»، وسعيها نحو التضادّ والميل إلى عدم الرضا والانفصال اللامتناهي.




الحداثة حركة تاريخية لم ترض قط عن نفسها، لم ترض عن مؤسّساتها السياسية، ومنجزاتها التقنية وغزواتها الفلكية، واكتساحاتها المعرفية. فهي لم ترتح للمفهوم الذي أرسته عن الفرد، ولا للمعنى الذي أعطته للحرية، ولا للدلالة التي رسّختها عن العقل، ولا للكيفية التي بنت عليها الديمقراطية، ولا للشكل الذي أرست عليه الحقوق. إنها حركة لم تركن إلى سكون، ولم تخلد إلى راحة ولم تقنَع ولم تقتنع، فكانت ما بعدية على الدوام. لا عجب أن توحّد الحداثةُ بين الفكر والنقد، فتجعل من الأزمة واقع حال، ومن التوجّس والارتياب بنية معرفة، ومن القطائع نسيج الحركة التاريخية، ومن الجرح سمة الكائن.
عندما ستنقل إلينا الحداثة سيغدو هذا التلكؤ مضاعفاً. فالحداثة التي دهمتنا وهي حبلى بمضاداتها ولدت عندنا مضادات من نوع آخر. فلم نتقبلها نحن كذلك بسهولة مثلما لم تُتقبل بسلاسة في بلاد منشئها. استفقنا لنجد بعض مظاهر الحداثة تدهمنا من كل جانب. مع تقدم المواصلات ووسائط الاتصال ارتبطت الحداثة عندنا بتفكك البنيات الاجتماعية، وخلخلة المعالم التقليدية والأصول الفكرية.

صدمة مزدوجة
لم تكن الحداثة عندنا اختياراً ذاتياً، ولم تنتج عن مخاضات داخلية وتطوّر ذاتي. وإنما ارتبطت بصدمتين قويتين: صدمة الحداثة ذاتها بجدتها وغرابتها وقدراتها السحرية، ملفوفة في صدمة أخرى هي صدمة الاستعمار مع ما تمخض عنها من شعور بالدونية والتأخر وكل المشاعر الارتكاسية.
ولَّدت هذه الصدمة المزدوجة على مستوى وعي النخب العربية ردود فعل متباينة من إحياء ردود فعل العضوية الرافضة والداعية إلى العودة إلى الأصول وتقديس الماضي وأسْطرة عالم الأجداد، إلى انبعاث ردود فعل النقد الذاتي والخروج من شرنقة أوهام الذات الجماعية والدعوة إلى الاحتذاء بالآخر، واقتباس علمه وتقنيته ونمط تدبيره السياسي.
هذه الثنائية العميقة في وجهتيها الوجودية والفكرية، مع ما يلازمها من شروخ وردود فعل ارتكاسية واستشرافية، لا تزال تعمل بديناميتها في قلب واقعنا. وهي تتخذ عندنا شكلاً مركباً معقداً باعتبار أن أغلبنا لا ينظر إلى الحداثة في حركيتها وغليانها وتلكئها، وإنما سرعان ما يردها إلى مجموعة من الأقانيم، أو على الأقل يختزلها في مفهومات محصورة. يتأتى هذا على ما نعتقد من الربط الذي تعودناه بين التنوير والتحديث. ذلك الربط الذي يتجلى، إما باستعمال لفظي «التحديث» و«التنوير» على سبيل الترادف، أو على الأقل، بعطفهما واحداً على الآخر كما لو كانا يعنيان الشيء نفسه.
وما زاد الطين بلة، أن التّنوير غالباً ما تحوَّل عندنا إلى مبادئ، إن لم نقل إلى شِعارات. فهو عند معظم المتحدثين عنه حِقبة تاريخية، هو، أوّلاً وقبل كل شيء، «قرن» سَمَّى نفسه «عصرَ الأنوار». ثم هو أسماءُ أعلام تبتدئ بفولتير لتمتدَّ إلى روسو ودالامبير وديدرو والقائمة معروفة.. والتنوير من وجهة النّظر هذه، مجموعة أقانيم يجب الاقتداء بها والحذو حذوها. ونتيجة هذا بالطبع هي أن التحديث لن يكون إلا هذا الاقتداء ذاته. التحديث من وجهة النظر هذه، تطبيق لمبادئِ الأنوار، إنه المآل الذي آل إليه قرن الأنوار خلال القرنين المواليين. فهو أيضاً ينحلّ إلى مبادئ، أو لنقل، على الأقل، إلى مقومات هي الفرد والعقل والحرية والعلم والديمقراطية.
كان ميشيل فوكو قد عاب هذه النظرة حتى على الفكر الغربي نفسه فكتب منتقداً: «إن الخيط الذي يربطنا بالتنوير، ليس هو الوفاءَ لمبادئ المذاهب، بقدر ما هو بالأحرى التفعيل الدائم لموقف مّا، أي تفعيل روح فلسفية يمكننا أن نحدّدها من حيث هي نقد مستمر لوجودنا التاريخي». وما يعيبه فوكو على بعض مؤرخي الأفكار الغربيين هو اعتبارهم التنوير مجموعة من المبادئ. وهو يرى أن التنوير أساساً تجذّر نوع من السؤال الفلسفي، «وهو سؤال ينطبق في آن واحد على مسألة الارتباط بالحاضر، مسألة نمط الوجود التاريخي، ثم مسألة بناء الذات كذات مستقلة». التنوير ليس أسماء أعلام، وهو ليس شعارات ومبادئ، ليس حلولًا وإجابات، وإنما هو إشكالات وأسئلة. إنه «روح فلسفية» تطرح مسألة «العلاقة بالحاضر»، ومسألة «ابتكار الذات».
وبالمثل، لن تغدو الحداثة حقبة تاريخية أعقبت قرن الأنوار وتوَّجته، ولا مجموعةً من الخصائص والمميزات التي طبعت مرحلة بعينها، إنها بالأولى تفعيل هذه الرّوح الفلسفية التي طبعت الأنوار، ونقد متواصل لوجودنا التاريخي. ولا يمكننا، والحالة هذه، ربط التنوير بالتحديث إلا شريطة تحديد دلالتيهما على النحو آنف الذكر، أما إن اقتصرنا على التحقيبات الكرونولوجية، والتحديدات البنيوية، من غير اعتبار لإرادة القوة التي تحكمهما، فلن نكون إلا أمام نماذج تُقلّد، وأقانيم تُكرَّس وتحتذى، لن نكون إلا أمام تقليد.

علاقة متفجرة
هذا الطرح الاستشكالي للحداثة يحثنا على أن نضع، مقابل تلك التحديدات الكرونولوجية، ما يمكن أن ننعته بالموقف الإستراتيجي، الذي يعتبر أن وضع الحداثة قد وَجَد نفسه، ولابد أن يَجِد نفسه، خصوصاً عندما ينقل إلينا، في مواجهة مواقفَ مُضادة. لا يتعلق الأمر هنا بالمقابلة بين البنية والتاريخ بقدر ما يتعلق بالتقابل بين الهُدنة والتوتُّر. فمقابل النظر إلى الحداثة على أنها «تطبيق لمبادئ»، وتحقيق لشعارات، مقابل النظر إلى الحداثة على أنها مجموعة من المميزات التي تطبع حقبة تاريخية معينة، حيث يتم إيجاد مكان لها داخل يَومِية تتقدمها حقبة «ماقبل»، وتتلوها حقبة «مابعد»، يعتبر هذا الموقف المضاد أن الحداثة «وضْع». والأهم من ذلك أنه وضع متوتّر مناضل لابد وأن يدخل في صراع مع عوائقه. إنه علاقة متوتّرة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيار واعٍ ونمط من التفكير والإحساس، وطريقة في السلوك والاستجابة تدل على انتماء معين، وتظهر كمهمة وكمسؤولية ينبغي الاضطلاع بها. لنقل بلغة هايدغر إن الحداثة «عصر» بالمعنى الذي يعطيه الفيلسوف الألماني للكلمة، أي ليس من حيث إن العصر فترة زمنية تمتد بين تاريخين، وإنما من حيث هو علاقة متفجّرة للماضي بالمستقبل. فعند كل عصر ينكشف عالم من العوالم، أي تنكشف بالنسبة لإنسان ذلك العالم علاقة جديدة للماضي بالمستقبل. الحداثة إذاً شكل من العلاقة المتوتّرة مع الراهن، واختيار واعٍ، ونمط من التفكير والإحساس، وطريقة في السلوك والاستجابة تظهر كمهمة ينبغي الاضطلاع بها. إنها وعي بأن الكائن تحوُّل. إنها إثبات للانفصال، ووعي بالحركة المتقطعة للزمن، بل إنها هي اللحظة التي يصبح فيها الانفصال من صميم الوجود، ويغدو نسيج الكائن ولحمته.
هذه الروح الإرادية والنضالية هي التي تجعل فوكو نفسه يميز بين التحديث ومجرد مجاراة الموضة، رغم ما تنطوي عليه هذه الأخيرة بالتعريف من تجديد للأمور، بل قلب لها. وهو يشير في هذا الصدد إلى بودلير الذي يحدد الحداثة بأنها «العابر الزائل غير القابل للضبط»، فيلاحظ بأن الحداثة عند مُنَظّر الحداثة الفنية ليست مجرد الاعتراف بهذا العبور والانفلات، بل هي «أن نتخذ موقفاً خاصاً إزاء هذه الحركة. وهذا الموقف الإرادي لا يوجد قبل اللحظة الراهنة ولا بعدها، بل يوجد فيها». فبينما يقتصر اتّباع المُوضة على مواكبة مجْرى الزمن، فإن الحداثة ليست مسألة إحساسبالحاضر العابر المنفلت وبحثاً عن الذات في خضم ذلك الانفلات، وإنما هي «ابتكار لها». إنها ليست تطبيقاً لمبادئ ولا اقتداءً بنماذج، وإنما هي انتقاد لا يكلّ لوجودنا التاريخي. أن تكون «إنسانَ الحداثة» ليس هو أن تتعرف على سير التاريخ، وتقف عند حركته الدؤوبة، وإنما أن تتخذ موقفاً منها. ليس أن «تقف على»، وإنما أن «تقف من». الحداثة موقف نضالي ينبني على وعي بالحركة المتقطعة ليس للزمن فحسب، بل للكائن أيضاً، بحيث لا يعود الكائن مترابط العناصر، سواء أكان ذلك على مستوى المعرفة أو المجتمع، وتظهر الانشطارات داخل ما يُعتبر مواقع انسجام، و«يتبخّر كل ما هو صلب».

التقليد والتحديث
إن الحداثة لا تقابل ما قبلها ولا ما بعدها، وإنما تقابل ما ليس إياها، أي تقابل التقليد. ليس التقليد هنا منظومة بعينها من القيم، ليس التقليد أفكاراً بعينها وإنما هو موقف، وهو الموقف المضاد للتحديث، أي الموقف الذي يغدو فيه الاتصال لحمة الكائن، ويرتبط فيه طرح القضايا الكبرى بتقصي الاستمرار والدوام، دوام الخصائص التي تميّز، والسمات التي تطبع، والحقائق التي تُعتنق، دوام اللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، والعبارات التي نلوكها، والآراء التي نتداولها، والعمارة التي نقطنها. ومعنى ذلك أن التحديث لا يمكن أن يكون إلا حركة دؤوبة تطرح منطق الاتصال موضع تساؤل، وتفسح للتفردات فرصة الظهور، وتجعل من الخصوصية حركة لا متناهية للضم والتباعد، ومن الآخر مجالاً مفتوحاً للانفصال والالتقاء.
إن التحديث،شأنه شأن التأصيل، لا يتمثل في مفاهيم ومضامين بقدر ما يتمثل في عمليات الانفصال ذاتها. لا يتمثل في الأهداف المرسومة، وإنما في المسالك المقطوعة، ليس التحديث خصائص مستنسخة، وإنما دروب مقطوعة. وربما كانت عمليات الانفصال التي تحدثنا عنها تتمثل أساساً في قطع تلك الدروب. وعلى ذكر الدروب، لنتذكر قولة صاحب «الدروب التي لا تؤدي إلى مكان»: «عندما يستحث شيء ما الفكر، فإن هذا يتوجه نحوه ويلاحقه، لكن قد يتأتى له أن يتحول وهو في طريقه إليه».