الملحق الثقافي

اليهود عاشوا آمنين في ديار العرب والمسلمين

مدخل حي الملاح اليهودي في المغرب

مدخل حي الملاح اليهودي في المغرب

إميل أمين

ما الذي جعل قصة اليهود في العالم العربي والذين أطلق عليهم بعض علماء الاجتماع وصف «اليهود العرب» - لبيان أن الهوية اليهودية هي مسألة دين وليست انتماء عرقي أو جنسية - تطفو على الذاكرة هذه الأيام؟ يمكن القطع بأن هناك أمرين يجعلان من طرح السؤال السابق أمراً واجب الوجود، كما تقول جماعة الفلاسفة، الأول يتعلق بأحوال بعض المسلمين في الغرب وبخاصة في بريطانيا، حيث تلقى العديد من المسلمين البريطانيين (قبل حلول شهر أبريل/ نيسان) بأن الثالث من أبريل سوف يشهد مذبحة للمسلمين المقيمين على الأراضي البريطانية، في اتجاه عنصري يواكب ارتفاع حالة المد الديني، وارتفاع صوت اليمين القومي والشعوبي الذي بات يكتسب أرضاً جديدة يوماً تلو الآخر، في أرجاء القارة العجوز، وكان آخر مظاهر شيوع الأصولية الأوروبية ما جرى في الانتخابات الإيطالية حيث فازت الحركات الكارهة للإسلام والمسلمين والمهاجرين، ويتصل الثاني بمرور سبعة عقود على قيام إسرائيل على الأرض الفلسطينية المغتصبة بعد أن عاشوا مئات السنين على الأرض العربية والإسلامية من مشرقها إلى مغربها كمواطنين كاملي الأهلية، وبدون التعرض لهم بالأذى الأدبي أو المادي.
يقتصر الحديث في هذه المقالة على بلدين بعينيهما هما: مصر والمغرب، وإن كان حضور اليهود العرب يستدعي كلاماً كثيراً عن اليهود في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وفيه وبعده، ووجودهم في منطقة بلاد الشام التاريخية حيث العراق وسوريا ولبنان والأردن الآن، ولهذا عودة ثانية.

يهود مصر
تشير الدراسات التاريخية إلى وفود أفواج كبيرة على مصر في منذ عام 586 ق.م بعدما استولى «نبوخذ نصر» ملك بابل على أورشليم، حيث أقاموا كجاليات في مدن: مَنف وطيبة في مصر الفرعونية.
وعندما فتح الإسكندر الأكبر مصر في عام 332 ق.م، أنزل في الإسكندرية عدداً من اليهود. كما نزحت أفواج من يهود فلسطين إلى مصر من تلقاء نفسها، خاصة بعد أن ضمت فلسطين إلى مصر من عام 301 – 198 ق.م.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ الحضور اليهودي في أرض مصر، وهو تاريخ أيضاً يتسق مع مجيء يوسف بن يعقوب إلى أرض الكنانة هو وأخوته.
عاش اليهود في مصر بعد الفتح الإسلامي لمصر عهوداً طويلة سيما بعد أن سمح لهم عمرو بن العاص بالبقاء في الإسكندرية بعد فتح مصر، وبحسب العديد من الموسوعات فإن عصور الفاطميين (969 - 1169) كانت أفضل الأوقات بالنسبة ليهود مصر، وقد بلغ شأن بعضهم مثل «يعقوب بن كاسي» أن أضحى رئيساً لوزراء مصر.
أما العصر الأيوبي (1169 - 1250) والذي بات عنوانه صلاح الدين، فقد كان برداً وسلاماً ليهود مصر، بل إن طبيب صلاح الدين الخاص كان يهوديا، وفي تلك الفترة عرفت مصر نشوء وارتقاء واحد من أهم الفلاسفة اليهود أي موسى بن ميمون، الذي حاز شهرة كبيرة كطبيب، وألف كتاب «دلالة الحائرين» كرسالة مكونة من ثلاثة مجلدات إلى تلميذه «يوسف بن عقنين»، ومن الملاحظ أن فلسفة الكتاب وحتى جانبه اللاهوتي اليهودي مستمدان من أجواء الفلسفة الإسلامية التي عاشها المؤلف وتلقاها من معاصريه المسلمين كأبي بكر الصائغ، وابن الافلح، وابن رشد.

نهضة مصر ودور اليهود
اختلف المشهد المصري شكلاً وموضوعاً بالنسبة لليهود المصريين أو السفارديم منذ عهد محمد علي باعث نهضة مصر الحديثة، ذلك أن احتكاك الرجل بالغرب، فضلاً عن البعثات التعليمية التي أرسلها إلى الغرب، فتح الأبواب واسعة لحالة التلاقي الثقافي بين يهود أوروبا والمصريين.
تعمق المشهد بقوة مع حكم ابنه الخديوي إسماعيل الذي حفرت في عهده قناة السويس، وبدأ اليهود المصريون يأخذون أوضاعاً متقدمة في نهضة البلاد سياسياً فعين منهم وزراء، ووجد منهم إقطاعيون من كبار رجال الأعمال، ملاك الأراضي والمصانع.
كانت مصر ملاذاً فائق الأهمية ليهود أوروبا في الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1945، فقد شهدت تلك العقود الإبادة الجماعية الثانية لليهود في تاريخ أوروبا «الهولوكوست» حين أحرق هتلر ملايين اليهود في أفران الغاز.
لجأ مئات الآلاف من يهود أوروبا الناجين إلى مصر وقد عاشوا فيها وعملوا وازدهروا ليصل عددهم غداة ثورة يوليو 1952 إلى أكثر من ثمانين ألفاً.
لم تكن مصر وطناً عادياً ليهود مصر، بل أرض اختيار محببة ومرغوبة، غير أن الأعمال العدائية للدولة الإسرائيلية، والمخططات السوداء لإحراق مصر، وقتل المسؤولين الإنجليز ثم إلصاق الاتهامات بالمصريين، جعلت النظرة لهم تختلف، كما أن الدعاية الصهيونية السوداء لاستقطابهم بسبب حاجة الكيان الصهيوني الوليد إلى مهاجرين جدد فرّغت مصر من غالبية يهودها الذين عاشوا شعور المواطنة مئات السنين، ومعابدهم في مصر المحروسة لا تزال باقية مصانة ومحميَّة بقوة القانون.

يهود المغرب
إذا انتقلنا من مصر إلى الطرف الآخر للعالم العربي، أي إلى دول المغرب على ساحل البحر الأبيض المتوسط، سنجد أن الكثير من المؤرخين يذكرون العلاقات التي كانت قائمة بين يهود إسبانيا، وبين أبناء ملتهم على الطرف الآخر من المتوسط، وقد كانوا على علم بأخبار الحرية الدينية التي كانوا يتمتعون بها في ظل الحكم الإسلامي بعد أن فتح المسلمون هذه البلاد.
أما عن مسألة الحرية الدينية التي كان يتمتع بها اليهود في المغرب العربي الإسلامي فلقد كان ذلك حقيقة، ولم يرد في المصادر التاريخية ما يشير إلى اضطهاد وقع على اليهود في تلك البلاد في ذلك الوقت... كذلك يشير تاريخ المسلمين في المغرب منذ فتحها المسلمين إلى تمتع اليهود بالحرية الكاملة في الحياة والعقيدة ووصولهم إلى أعلى المناصب في الدولة، فقط شملتهم التشريعات الإسلامية العادلة التي كانت تطبق على أهل الذمة في الشرق.
وبالبحث في أضابير التاريخ وزمن الفتح الإسلامي للأندلس، نجد أن طارق بن زياد حين جاء بقواته لفتح هذه البلاد وإزاحة حكم القوط عنها، وجد معاونة من اليهود للمسلمين في الفتح، ولا نزاع في أن طارق أفاد فائدة كبيرة من هذه الجماعات اليهودية التي باركت فتحه، فقد وجد فيهم الأدلاء الذين قادوه داخل أراضى هذه البلاد الواسعة التي كانت مجهولة بالنسبة للمسلمين.
ومن الزمن البعيد إلى العقود الأولى من القرن العشرين، كانت بلاد المغرب العربي الملجأ الجغرافي والديموغرافي الأقرب والمحبب لليهود الأوروبيين، ولهذا وجدوا في تونس والمغرب بنوع خاص أفضل البلاد التي كفلت لهم حماية أرواحهم وممتلكاتهم وأولادهم وهم فيها باقون حتى الساعة.

تسامح المسلمين
هل نحن في حاجة إلى شهادات تاريخية تؤكد صدقية ما عاشه اليهود العرب بين جنبات الدول الإسلامية؟
من المغرب ومن مصر لدينا بعض الشهود، وقد يكون يهود المغرب العربي أكثر حظاً، ففي حين لم يتبق في مصر من اليهود سوى أعداد تعد على أصابع اليدين، فإن، هناك نحو ثلاثة آلاف مغربي يهودي يعيشون تحت سماوات ذلك البلد حتى الساعة، سيما وأن الموروث اليهودي لا يزال جزءاً من هوية البلاد، هكذا كفل الدستور المغربي حق اليهود في وطنهم الذي شاركوا في بنائه وتأسيسه وشكلوا جزءاً من تاريخه وثقافته.
نجح يهود المغرب في البقاء بعيداً عن إشكالية الصراع العربي – الإسرائيلي، وقد لقوا تشجيعاً كبيراً من العاهل المغربي الملك محمد السادس، والذي كان من أوائل الرؤساء العرب الذين اعترفوا بمحرقة اليهود، كما أمر عام 2010 بتبني برنامج إصلاحي لمئات المعابد والمقابر القديمة في جميع أنحاء المغرب وقد أنفقت المملكة بالفعل ملايين الدولارات لإصلاح ما يقارب 200 موقع من هذه المواقع في عام 2011، وفي الوقت نفسه أصبحت اليهودية مكرسة في الدستور الجديد للبلاد كجزء أساسي من الهوية المغربية.
أما يهود مصر، فبعيداً عن شهادات القلة القليلة الباقية فإننا نجد سرداً وعرضاً لا يمل المرء من الغوص فيه في الرواية التاريخية «الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين»، وهي قصة حقيقية عن وقائع خروج أسرة يهودية من مصر عام 1963، بعد أن عاشت هناك عشرات السنين، وولدت الابنة «لوسيت» صاحبة الرواية لأب وأم يهوديين في القاهرة.
تقول «لوسيت» التي أضحت الآن صحفية في النيويورك تايمز عن القاهرة إنها كانت مدينة حاضنة لثقافات متعددة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ترحب بالغرباء وتتقبل الجميع بين جنباتها.
لكن السياسة والحرب وأهداف الاستعمار البغيضة، والكيان الصهيوني العنصري وطئت بأقدامها الغليظة هذه التربة الكوزموبوليتانية الغنية، فأحالت الصورة الجميلة إلى مشهد من الصراع والتشتت، أصابت شظاياه حياة الدعة التي عاشتها أسرة «لوسيت» وغيرها من أسر اليهود المصريين.
تكتب «لوسيت»: عندما غادر أبي مصر في ستينات القرن الماضي فإنني ما زلت أتذكر رغم مرور كل هذه السنوات كيف كان يصرخ على ظهر المركب التي أقلعت من الإسكندرية مردداً بالعامية المصرية مرة بعد أخرى «رجعونا مصر... رجعونا مصر».
وتضيف: لسنوات عديدة لاحقتني هذه الصرخة ودفعتني لكتابة هذه السيرة الذاتية.
هل من خلاصة؟
ما أبعد الفارق بين ما يلقاه المسلمون والمسيحيون في الأرض المقدسة في فلسطين اليوم من جراء محاولات التهويد الجارية على قدم وساق من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وبين المواطنة الكاملة التي عاشوها في دول العرب والمسلمين.
وبالقدر ذاته، ما أهول المشهد وأبشعه بين التهديدات بالذبح التي يتلقاها مسلمو بريطانيا اليوم، وبين الدول التي وفرت حماية وأمن وأمان لليهود الفارين من كاترينا الأرجوانية وملوك قشتالة في الأندلس قديماً، ومن أفران غاز الفوهرر حديثاً.
هل هي آفة النسيان أصابت عالمنا المعاصر والمجنون من جديد؟

الفنانون اليهود وفتنة «إسرائيل»
خلال الأسابيع الماضية صدر في القاهرة عن مركز الهلال للتراث الصحفي، التابع لدار الهلال، كتاب بعنوان، «الممثلون اليهود في مصر»، يقع في أكثر من مائة صفحة من الحجم الكبير جداً، وبألوان وطباعة فاخرة، ويحوي بين دفتيه معلومات شيقة عن الفنانين والفنانات اليهود الذين لعبوا دوراً مؤثراً في الحياة الفنية المصرية.
والكتاب – المجلة من إعداد أشرف غريب الأمين العام للمركز، وقد بين قدر الوطنية المصرية لممثلين يهود عاشوا على أرض المحروسة، سواء من أسلم منهم مثل الفنانة ليلى مراد، أو من بقي على يهوديته ورفض مغادرة مصر، بل طلب أن يدفن فيها.
وربما لا يعرف الكثيرون أن ليلى مراد قد أعدت «أوبريت» للدفاع عن فلسطين قبل النكبة الكبرى في 1948 بعامين، وبالتحديد في عام 1946 لتطالب الدول العربية وعلى رأسها «مصر فاروق» بالتوحد للدفاع عن عروبة فلسطين، لكن شريط هذا الأوبريت جرى طمسه تماماً، وإن بقيت شجاعة كلمات الشاعر أحمد رامي، وموقف ليلى مراد شاهداً على مصرية ووطنية أيقونة السينما المصرية التي رفضت توسلات إسرائيل لزيارتها.
لم تكن ليلى مراد فقط عنوان يهود مصر، فهناك كاميليا، وراقية إبراهيم، وأختها نجمة إبراهيم، فيكتوريا موسي، إستر شطاح، إلياس مودب، سلامة إلياس، سعاد زكي، توجو مزراحي ونجوى سالم.
والثابت أن قراءة تجربة الممثلين اليهود في مصر بكل ما صاحبه من صعوبات وتحديات يؤكد شيئاً واحداً مثيراً، وهو أن العالم العربي والإسلامي قد عرف مفهوم المواطنة باكراً جداً قبل أن يحاول الآخرون تصديره لنا عنوة.