تقارير

أميركا وأفغانستان... أهداف ما بعد 2014

إرنوستو لوندونو وراجيف شاندراسيكاران
محللان سياسيان أميركيان

يضغط جناح داخل إدارة أوباما إلى عدم الإبقاء على عدد كبير من الجنود الأميركيين في أفغانستان بعد الانسحاب المرتقب في عام 2014، وهو ما يثير مخاوف لدى البعض من عجز الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه البلد بتدريب القوات الأفغانية وتزويدها بالمعدات.
وفيما يقترب النقاش حول حجم ومدى القوات الأميركية التي ستبقى في أفغانستان بعد موعد الانسحاب من نهايته، يصر البعض داخل الإدارة الأميركية على جعل عدد القوات 2500 جندي لا غير، مشيرين إلى أن قوة خفيفة ستكون الطريقة الأمثل لإنهاء حرب مكلفة وغير شعبية.
والحقيقة أن هذا العدد الضئيل من القوات الذي يدافع عنه البعض في أروقة الإدارة يبقى أقل مما طالب به مسؤولون عسكريون بارزون لأن في نظرهم أي انسحاب متسرع وفك متعجل للارتباط مع أفغانستان بالصورة التي يقترحها مسؤولون في البيت الأبيض سيؤدي إلى انهيار الدولة الضعيفة وإشعال حرب أهلية جديدة.
كما أن العدد المحدود جداً للقوات التي يصر عليها بعض المسؤولين لا يستجيب إلى دعوات العسكريين بإبقاء ما بين10 و 30 ألفاً من القوات والتي تمت مناقشتها بين العسكريين الأميركيين والحلفاء في «الناتو» قبل عام فقط. وبالنظر إلى أهمية تحديد حجم القوات التي سترابط في أفغانستان بعد الانسحاب سيتصدر الموضوع أجندة المباحثات بين أوباما والرئيس الأفغاني، كرزاي، خلال زيارته إلى واشنطن في الأسبوع الجاري، والتي تشمل لقاء مع أوباما يوم الجمعة المقبل.
لكن مسؤولين في البيت الأبيض استبقوا الزيارة بإعلانهم أن عدم ترك أي قوات في أفغانستان وسحبها كلياً حتى بعد عام 2014 يبقى أمراً مطروحاً، لا سيما بعد انقضاء التفويض الأممي الذي يرخص بتواجد القوات الدولية في أفغانستان، مؤكدين أنهم ربما يبحثون عن وسائل غير عسكرية لبلوغ الأهداف الأميركية في أفغانستان.
غير أن الولايات المتحدة التزمت بالاستمرار في دعم القوات الأفغانية في إطار رغبتها الحفاظ على قدرات مهمة لمكافحة التمرد والحؤول دون رجوع «القاعدة» وتثبيت نفوذها في البلد الذي تم فيه التخطيط لهجمات 11 سبتمبر.
وفي هذا السياق، قال «بين رودز»، نائب مستشار الأمن القومي لشؤون التواصل الاستراتيجي،«هناك بالطبع طرق مختلفة لتحقيق الأهداف منها ما يعتمد على القوات الأميركية، ومنها ما لا يعتمد على أي قوات».
وفي الجهة المقابلة، يصر مسؤولون عسكريون على الحاجة إلى مزيد من القوات، محذرين من أن انسحاباً تاماً للجيش الأميركي بعد عام 2014 ينطوي على تهور كبير، وقد يؤدي إلى انهيار القوات الأفغانية، علماً أن الولايات المتحدة استثمرت 50 مليار دولار في تدريب وتجهيز الجيش والشرطة الأفغانيين، وإن كان البعض الآخر يعتبر أن قوة خفيفة مجهزة بشكل جيد قادرة على تحقيق الأهداف الأساسية للإدارة الأميركية، بالإضافة إلى تقليص الوجود الأميركي في منطقة يغلب عليها العداء للولايات المتحدة.
وعن هذا الموضوع، قال مسؤول بارز في وزارة الدفاع الأميركية رفض الكشف عن اسمه «إن السؤال الحقيقي هو طبيعة المهمة التي نريد إنجازها، بحيث التحدي الأساسي هو الاستمرار في القيام بنفس الوظائف التي نقوم بها لكن بقوات أقل». وبحسب «البنتاجون» تمثل عملية تحديد حجم القوة التي ستبقى في أفغانستان بعد عام 2014 الخطوة الأولى لاستكمال سحب 66 ألفاً من القوات الأميركية المرابطة حالياً في البلاد، كما أن الحفاظ على قوات أميركية ما بعد الانسحاب يعتمد على الاتفاقية الثنائية التي ستبرم بين البلدين، وفيها تحدد صلاحيات القوات الأميركية والضمانات القانونية الممنوحة لها.
وهي الأسئلة الشائكة التي من المتوقع أن يتطرق لها أوباما وكرزاي خلال لقائهما في الأسبوع الجاري.
ومن بين القضايا الأخرى المطروحة على طاولة النقاش، ما إذا كان يحق للقوات الأميركية المتبقية القيام بعمليات مكافحة التمرد بمفردها.
وما إذا كانت محصنة قانونياً، وبحسب المسؤولين العسكريين سيتراوح عديد الجنود المزمع بقاؤهم ما بين 2500 و6000 جندي، بحيث تخلى العسكريون في وزارة الدفاع عن أي أمل في وصول العدد، كما تطلعوا إلى ذلك في السابق، إلى 10 آلاف جندي الذي يعتبره العسكريون الحد الأدنى للقيام بالمهام في أفغانستان المتمثلة في تدريب القوات الأفغانية وتجهيزها.
ويبدو أن النقاش الدائر حول ما بعد الانسحاب يتمحور بالأساس حول الأهداف الأميركية وانتظاراتها، ويظهر أن القادة العسكريين الذين دافعوا عن إبقاء قوات أكبر في أفغانستان بعد الانسحاب خسروا المواجهة أمام الذين يريدون لمستقبل العلاقة الأميركية الأفغانية أن يشبه إلى حد كبير الدور الأميركي المتدني في بلدان أخرى مثل اليمن وكولومبيا، وإن كان المعارضون لهذا التوجه يقولون إن أفغانستان تمثل حالة فريدة لا يجوز مقارنتها بالغير بالنظر إلى مساحتها الشاسعة وتمردها العصي عن السيطرة وحكومتها الضعيفة.
لذا فإن أي قوات لا تتجاوز بضعة آلاف سيكون تأثيرها محدوداً للغاية، وهو ما عبر عنه مسؤول عسكري بارز في أفغانستان قائلاً إن قوة من 2500 جندي تعني «أننا لن نستطيع القيام بشيء خارج كابل». وبإبقاء ستة آلاف جندي ستحافظ الولايات المتحدة على قدرتها في إدارة قاعدة باجرام الجوية ذات الأهمية القصوى في العاصمة. لكن ذلك سيحرمها من التواجد العسكري في الجنوب الذي يشكل معقل «طالبان»، والسبب الذي دفع أوباما إلى إقرار خطة الزيادة في عدد الجنود خلال عام 2010.
وتعبيراً عن خطورة الوضع، يوضح الجنرال المتقاعد «جيمس دوبيك»، الذي أعد ورقة لمعهد دراسات الحرب يقول فيها إن عدد القوات القادرة على مساندة الجيش الأفغاني لن تقل عن 30 ألف جندي، أن «القوات القليلة المقترحة تعني التخلي عن التزاماتنا تجاه أفغانستان»، مؤكداً أن الأفغان أصبحوا جيدين في القتال، لكن تنقصهم الوسائل اللوجستية والمعدات التي يجب على أميركا توفيرها.
لكن ومن جهة أخرى، يرى «كاليف سيب»، المحاضر بالمدرسة البحرية في كاليفورنيا والدارس لمهام الجيش الأميركي عبر السنوات أن التدخلات الأميركية في السلفادور خلال الثمانينيات وفي كولومبيا خلال التسعينيات، تثبت أن المهام العسكرية ذات البعد الاستشاري يكون لها أثر كبير على الأرض، بحيث يضع فريق صغير من المساندين العبء الأكبر على القوات المحلية، قائلاً «ذلك يجعلهم يقاتلون من أجل بلدهم»، ومضيفاً أن هذه المهام الصغيرة لا تناسب القادة العسكريين الذين تعودوا على رسم خطط عسكرية للمهام الجسيمة.
والأكثر من ذلك، حسب المدافعين عن إبقاء قوة صغيرة في أفغانستان، أن التخطيط لمهام كبرى في البلاد بعد عام 2014 والحفاظ على عدد كبير من الجنود سيدعم رواية «طالبان» من أن البلاد ما زالت واقعة تحت الاحتلال الأميركي، وأن الحكام في كابل متواطئون مع أميركا، لا سيما في ظل البيان الذي أصدرته الحركة يوم السبت الماضي، وفيه تعتبر أي اتفاق بين كرزاي وأميركا حول القوات المزمع بقاؤها بعد عام 2014 «صفقة شخصية تفتقد للشرعية القانونية».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»