ثقافة

الشعيبية طلال.. فنانة حققت العالمية ورفض حداثيّو المغرب الاعتراف بها

د. حورية الظل

كثيرات هن النساء العربيات اللواتي يجردهن الواقع من كل ما يمكّنهن من الصمود، لكنهن يقارعنه بالقوة والصبر ويرفعن التحدي في وجهه ليحققن معجزتهن الخاصة، ومن هؤلاء الشعيبية طلال الفنانة التشكيلية المغربية التي تخصصت في الفن الفطري لتصبح رائدة من رواد الفن التشكيلي المغربي ورمزا وطنيا رغم أنها لم تقصد المدرسة يوما، لكنها بالمقابل استطاعت عرض أعمالها في أشهر المتاحف وقاعات العرض العالمية، إذن ما الذي ميز تجربة الشعيبية الفنية؟ وكيف استطاعت هذه المرأة البسيطة التي اشتغلت على الفن الفطري والذي رُفض من قبل مؤسسي حداثة الفن التشكيلي المغربي آنذاك أن تصل إلى العالمية؟ ذلك ما سنحاول تناوله من خلال الاقتراب من تجربتها المذهلة والتي تشبهها في صدقها وعفويتها، لنعرف كيف تمكنت الكشف عن متخيلها الخاص وشق طريقها الفني بعصامية نادرة، مؤكدة قوة المرأة العربية وقدرتها على مواجهة التحديات.

إن نبذة من حياة الشعيبية تخبرنا بأنها ولدت سنة 1929 بإحدى قرى المغرب قرب مدينة أزمور، وكأغلب نساء البادية المغربية وقتها لم تقصد المدرسة ولم تتعلم، ولما بلغت سبع سنوات ذهبت لتعيش في بيت عمها بالدار البيضاء، وفي سن الثالثة عشر زوجوها برجل طاعن في السن أنجبت منه ابنها الحسين طلال، لكن سرعان ما توفي الزوج ليخلف وراءه أرملة شابة مسؤولة عن طفل وبدون أي دخل، فاشتغلت خادمة في البيوت.. لكن انجذابها لعالم الرسم والألوان كان قويا، فكانت خطوتها الأولى لولوج هذا العالم الساحر عبارة عن حلم، حيث رأت في المنام أشرعة تدور تحت سماء زرقاء وغرباء يقتربون منها ليقدموا لها أوراقا وأقلاما؛ فقصدت السوق في اليوم التالي لاقتناء عدة الرسم المكونة من دهان أزرق يستعمل في دهن الأبواب، وبدأت ترسم بعد عودتها من العمل ليلا.

فتّش عن الصدفة

بدأ اكتشاف موهبة الشعيبية بصدفة غيرت حظها فشُرعت لها أبواب المعارض العالمية ومعها أبواب الشهرة، فذات مرة قدم أحد النقاد الفرنسيين وهو بيير غوديبير برفقة الفنان الشرقاوي وأندريه الباز للاطلاع على أعمال ابنها الحسين طلال الذي كان فنانا تشكيليا، فأخبرتهم بأنها أيضا ترسم وكشفت عن كنوزها المخبأة والتي كانت غير واثقة من أهميتها لأن طريقة رسمها لم تكن متداولة، فكانت المفاجأة المبهجة للجميع، حيث اكتشف الناقد الفرنسي غوديبير أنه أمام فنانة نابغة فلم يسعه إلا الانبهار بأعمالها، فقدم لها الدعم اللازم لأنه قدر موهبتها وآمن بقدراتها وعلى يديه كانت انطلاقتها فتغير مصيرها إلى الأبد وبطريقة منزاحة عما كانت تتوقعه، فهي لم تكن مدركة لاختلاف تجربتها، فجاء الاعتراف بها كنوع من إنصاف القدر الذي عاندها طويلا، فقدمت أول معرض شخصي لها بمعهد غوته بالدار البيضاء سنة 1966، ولم تمض سوى ثلاث سنوات على معرضها الأول، حتى انفتحت لها أبواب العالمية ومعها أبواب المعارض شرقا وغربا، كما التفّت حولها كوكبة من أشهر نقاد الفن التشكيلي المعاصر عبر العالم وأسبغوا عليها احترامهم وتقديرهم وأعلنوا عن تميز تجربتها ومنحوها الاعتراف المُستحق فأضحت علامة فارقة في الفن المغربي الحديث والمعاصر.

وتُصنف أعمال الشعيبية طلال ضمن «الواقعية الساذجة» المنتمية للفن الفطري وهناك فنانون مغاربة آخرون ينتمون لنفس الاتجاه ويعدون على أصابع اليد كالركراكية وفاطمة حسن ومحمد بن علال ومولاي أحمد الإدريسي، وما ميز أعمالهم، استعمالهم للألوان الصافية والصاخبة، أما الموضوعات فقد حيدوها عن التعقيد لتتسم بالبساطة، مع تغييب قواعد الرسم كالمنظور مثلا وظهور عدم التناسب، وزيادة على ذلك فإن الفن الفطري من مصادر الفن الحديث، وما يميزه ويحقق خصوصيته عدم الالتزام الفنان الفطري بخط مدرسة معينة أو اتجاه محدد وإنما لكل فنان رؤيته الخاصة التي يستقيها من واقعه.

ونظرة أرهف على بدايات الشعيبية الفنية تؤكد بأن الرسم لم يكن مهنتها في البداية، وحالها كان مشابها لحال معظم الفنانين الفطريين الذين يمارسون في العادة مهنا أخرى، ففي الغرب مثلا، لما ظهر الفن الفطري في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر كان معظم من يمارسونه ينتمون للعامة وليس لهم أي إلمام بقواعد الرسم ولم يتلقوا أي تكوين أكاديمي ويقومون بالرسم في أوقات فراغهم وبالخصوص أيام الآحاد لارتباطهم طيلة أيام الأسبوع بمهنهم الأصلية وهو أمر يؤكد بأن الفن الفطري في العادة ينبت في تربة الشعب.

ضربة حظ

من حسن حظ الشعيبية أن الفن الفطري كان قد تم الاعتراف به في الغرب لما بدأت تجربتها، لأنه كان غير معترف به قبل ذلك وكان يقابل بسخرية فادحة من قبل النقاد والفنانين الغربيين المنتمين لمدارس فنية متعددة، فتم إقصاؤه بقسوة، ولم يتم اللين له وينزع اعترافا نسبيا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك لو ظل تجاهله قائما لما كانت الشعيبية قد فُتحت لها أبواب المعارض العالمية، ولما كان المغرب قد ربح فنانة بحجمها، والدليل على ذلك أن أحد رواد الفن الفطري الفرنسيين وأحد أقطابه الكبار وهو هنري روسو (1844 - 1910) لم يتم الاعتراف به إلا في نهاية حياته فعاش فقيرا معدما ومهمشا أيضا رغم موهبته الفذة وكمّ الأعمال التي أنجزها والتي أضحت اليوم تحتل الصدارة في أشهر المتاحف العالمية.

لكن المهم في الأمر أن الشعيبية عرّفت من خلال أعمالها بجزء مهم من الثقافة المغربية عبر العالم مدافعة من خلال ذلك عن التعدد الثقافي والحوار الحضاري، واعتبر الناقد الفرنسي أندريه لود أعمالها ملخّصة لما يزخر به المغرب من ألوان وأنوار، وهذه الخاصيات هي التي جذبت الفنانين الاستشراقيين إلى المغرب وغيره من دول شمال أفريقيا وإلى الشرق أيضا، وبذلك تكون الشعيبية قد اغترفت من بيئتها وثقافتها الشعبية ومزجت كل ذلك بمعاناتها وبمشاعرها وبخيالها الدافق لتخلق عوالمها الخاصة بصدق طفولي.

رفض من الداخل

رغم سطوع نجم الشعيبية ووصولها إلى العالمية حيث أصبحت أعمالها الأكثر شهرة في المعارض العالمية مقارنة مع فنانين مغاربة آخرين، قوبلت تجربتها وتجربة مجايليها من الفنانين الفطريين كمحمد بن علال ومولاي أحمد الإدريسي بالرفض من قبل المؤسسين الأوائل لحداثة التشكيل المغربي، مثل: فريد بلكاهية والقاسمي وشبعة وغيرهم، والذين كانوا ينضوون تحت لواء مجموعة «الدار البيضاء 65» فانتقدوا الاهتمام المفرط بالفن الفطري ومحاباته من قبل الغرب ورأوا في ذلك حسب زعمهم مؤامرة استعمارية تريد أن تؤكد بأن المغرب منتجا للبدائي والساذج وعاجز عن تأسيس تجربة حداثية تعبر عن هويته وخصوصيته، والغريب أن رفضهم انزاح عن المعقول والمنطق لأن الشعيبية ومعها الفنانون الفطريون ساهموا أيضا في تأسيس حداثة الفن التشكيلي المغربي وكل ما في الأمر أنهم حققوا الاختلاف، وكانت لهم خصوصيتهم المنزاحة عن تجارب مهاجميهم العالِمة والتي تأسست في معظمها على خلفيات مستمدة من مدارس الفن في باريس بعكس الفنانين الفطريين الذين لم يعتمدوا سوى موهبتهم وخيالهم المتدفق، والفنان محمد شبعة أعلن ذلك صراحة بقوله: «إن الرفض الذي كنا نطرحه يتعلق بالفن الفطري»، وهذا الرفض يبرره محمد شبعة بالسعي إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية المحلية والإفريقية، ويتهم فريد بلكاهية الفن الفطري، بأنه: «شكل من أشكال التعبير العاجز عن التطور والنمو على المستويين الجمالي والروحي» ويؤكد محمد شبعة بأن تشجيع الفن الفطري: «كان سياسة مقصودة من بعض الذين كانوا ربما يعملون بتوجيهات لترويج ذلك الفن» وإمعانا منه في رفض هذا النوع من الفن يجرد الفنان الفطري مما يمتلكه الفنان المتعالِم، فيرى بأن الأول: «لا يمكن أن يغير أو يعمق بحثه لعدم وجود معاناة فنية وهم يحملهما ويعاني منهما»، لكن لو تعاملت مجموعة «الدار البيضاء 65» مع الفنانين الفطريين بإنصاف، وبالخصوص مع الفنانة الشعيبية، لأدركوا بأنها كانت تغترف من تراثها ومن بيئتها، فهي استوحت ألوان الطبيعة والفن الشعبي كالزخرفة والأوشام والزرابي التي تصنعها النساء القرويات في جبالهن بمقاييس جمالية يعجز عن مجاراتها أمهر الفنانين، لكن اللطيف في الأمر أن الشعيبية لم تلتفت لذلك الهجوم واستمرت في نجاحاتها معرّفة بالفن التشكيلي المغربي عبر العالم.

إن ما يمكن قوله، هو كون الفنانة الشعيبية قد استطاعت من خلال تجربتها الفذة تكسير فصول التهميش التي لا تنتهي في حياة المرأة العربية وحيّدت الفن التشكيلي في المغرب عن النخبوية فكان ذلك منطلقها لتنحت لنفسها مكانة معتبرة في المشهد التشكيلي المغربي والعربي والعالمي.

واستمرت مسيرة نجاحها ولم تتوقف، ونالت الاعتراف الدولي بها فاستطاعت أن تعرض أعمالها في كبريات عواصم الفن العالمية كباريس ونيويورك وفرانكفورت وجنيف كما عرضت أعمالها جنبا إلى جنب مع أعمال فنانين عظماء كبيكاسو وميرو وموديلياني وغيرهم ولا زالت لوحاتها في أشهر المتاحف العالمية كما اقتناها كبار الشخصيات من عالم الفن والسياسة من دول كثيرة وبأغلى الأثمان مؤكدة بذلك قدرة المرأة المغربية والعربية البسيطة والأمية على اجتراح المعجزات.

تجربة فذة

إذن ما المسارات الجمالية التي قطعتها الشعيبية والتي أوصلتها إلى العالمية؟ وهل حققت عالميتها من منطلق خصوصيتها، وكيف استطاعت أن تظل محافظة على نجوميتها في عالم الفن الفطري لأربعين سنة كاملة دون أن يخفت وهج الاهتمام بأعمالها عبر العالم قيد أنملة؟

نمت الفنانة الشعيبية كعُشبة برّية في وسط قروي فيه الكثير من الجمال الطبيعي والفرح الطفولي والكثير من المعاناة أيضا، وبدأ هوسها بالطبيعة في طفولتها واضحا فكانت تقطف كل الزهور التي تطالها يدها الصغيرة لتزين بها الخيمة التي تقطنها مع أسرتها، كما كانت تحب أن ترتدي كل ما هو مزركش وضاج بالألوان، فانعكس ذلك على أعمالها التي استعادت من خلالها عوالمها الطفولية وفراديسها المفقودة المتمثلة في الطبيعة التي تعج بالألوان الحية والصاخبة، فرغم أنها غادرت قريتها في سن السابعة فقد ظلت معالمها وأجواؤها محفورة في ذاكرتها كمهرجان لوني، تعود لها باستمرار لتغترف منها باعتبارها قطعا من حياتها الماضية، ويرى باشلار بأن تذكر الأزمنة الطفولية يمكّننا من أن: «نذهب بعيدا عن الحاضر ونعيش مرة أخرى الحياة الأولى، والكثير من وجوه الطفولة تأتي لاستقبالنا» لقد اتخذت الشعيبية الرسم كنوع من الرد على إكراهات الواقع من خلال محاولة القبض على اللحظات الطفولية الهاربة والمولية من غير رجعة، فبدت أعمالها نوعا من النكوص إلى تلك اللحظات واستحضار ما استوعبته ذاكرتها، وأكد ذلك الناقد فاروق يوسف والذي يرى بإن الشعيبية منذ البدء: «اعتبرت الممارسة الفنية نوعا من محاولة التذكر، فكانت تلجأ إلى ذاكرتها البصرية من خلال الرسم، وهو ما أعادها إلى سنوات طفولتها السبع التي قضتها في البادية المغربية، فكانت ترسم الأزهار والطيور والديكة وسط بيئة تتميز بتفجرها اللوني».

ولا نملك إلا أن نحب الشعيبية كما نحب أعمالها ونعتبرها بطلتنا لما تعترف ذات مقابلة تلفزيونية بعفوية وصدق بكون رسوماتها نابعة من أفكارها وبيئتها وأن أعمالها امتداد لحياتها، كما كشفت عن سر نسائها اللواتي منحتهن فسحة معتبرة في أعمالها، لما أخبرتنا بأنها كانت تذهب للمدينة القديمة باستمرار، حيث تقابل شريحة النساء الأكثر معاناة في المجتمع من خياطات وخادمات وبائعات وأرامل، ثم تفشي عن إحساسها الصادق بمعاناتهن التي تلظت بها سابقا بقولها: «لو كان امعايا جوج افرنك كنقسمها امعاهم» ومعناها «لو كان معي درهم اقتسمه معهن» لقد كانت تغدق عليهن من مالها محاولة منها التخفيف عنهن في الواقع أيضا وليس من خلال استحضار وجوههن في أعمالها فقط، لذلك فنسائها المطلات علينا من لوحاتها حيث تمكننا من الاطلاع على قصصهن التي تتضمنها ملامحهن، تعرفهن حق المعرفة وهن جزء من ماضيها وحاضرها، فهي تلتقط وجوهن بقصدية معلنة وتعيد صياغتهن في أصالتهن وتفردهن وعمقهن الروحي فتحيطهن ببذخ الطبيعة وصخب الألوان والأزياء والزخارف والأشكال، كأنها تحتفي بهن معلنة عن تواطئها معهن على توحيد حكايتها بحكايتهن وملامحها بملامحهن لأنهن نساء على شاكلتها، فتمكنهن من النظر إلى العالم بعيونهن الواسعة وكأنهن يسائلنه ويخبرنه عن وجودهن المأزوم، ومعاودة استحضارهن في لوحاتها إعلان عن تكررهن في الواقع بنفس قسمات المعاناة التي لا تهدأ.

ويؤكد الفنان أحمد جاريد معرفة الشعيبية بنسائها بقوله: «إن الشعيبية طلال كانت تلقائية في أعمالها التعبيرية التي تتميز بخيال دفاق وخلاق، وميلها للطفولة جعلها تتخذ الرسم مثل لعبة، فالوجوه الفرحة أو الحزينة التي تملأ لوحاتها، وإن كنا لا نعرف من هم أصحابها، فإن الشعيبية تعرف جيدا من هم»، لذلك نجدها تُظهر عن خبرة وجدانية بشخصياتها الأمر الذي جعلها تصل إلى درجة التماهي الروحي مع أعمالها التي تعكس الكثير مما يمور في دواخلها من أحاسيس تفيض بحرارة على سطح لوحاتها، فجاءت عبارة عن ألوان صافية مليئة بالحياة، فهي التي قالت: «أحب كل ما ينبض بالحياة»، لقد كانت تعيد إنتاج الواقع بطريقة حية وطفولية وبدهشة تلقائية خالية من التصنع.

وبناء على ما سبق يتأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن خصوصية أعمال الشعيبية تتمظهر من خلال طرحها المستمر لأشكال مربكة وغير متوقعة تمس الألوان والمرجعية التي تبنتها في أعمالها، كما أن التكرار ومعاودة رسم الوجوه والأشكال والألوان هو الموضوع الأثير الذي لا تمل من استحضاره في إصرار، حيث تترك التفاصيل تتوالى بحرية، وترى أهمية ذلك بقولها: «أنا أكرر ولكن هذا مهم» وبالإضافة إلى التكرار فإن الوجوه والأشكال والكائنات والطبيعة تغمر أعمالها فتتجاور وتتداخل وتتعرج لتترك لنا الحيرة إزاء هذا العالم الساحر، وبذلك تكون قد استحضرت عوالمها بطريقة غير متوقعة حيث ضمنتها حرارة إنسانية فذة تجعل المتلقي ينغمر في عمقها المباشر فتمرر له فيضا من الأحاسيس وتمكنه من الغوص في عوالم حلمية وعجائبية كما اهتمت بالمقابل بالمبالغة في تكثيف الخطوط والألوان، وهناك من شبهها ببيكاسو فكانت تضحك لذلك لأنها لم تطلع على أعماله إلا في فترة متأخرة.

ولدرايتها بأن تجربتها ليست خربشات ساذجة فقط وإنما مبنية على عوالم خيالية منتقاة تثبت علو كعبها في مجالها، وهو الأمر الذي جعل مجموعة من نقاد الغرب الكبار يشيدون بتجربتها، فتقول: «أنا ملونة في الأصل، ألواني ترمز للحياة والطبيعة. فأنا أرسم مشاهد من الحياة العادية وكذلك مواقف غريبة»، وهذه المواقف الغريبة مرتبطة بخيالها الخلاق وهي التي تترجم من خلالها الواقع، فهي تلتقطه لتعيد خلقه بطريقة تغزو من خلالها عوالم بصرية جديدة، الأمر الذي جعل الكثير من النقاد يرون بأنه من الظلم نسبة تجربتها للواقعية الساذجة لأن أعمالها قريبة من الأعمال التجريدية مع استلهامها للفنون الشعبية والحرف التقليدية المغربية حيث بدى تميزها من خلال تكرارها للوجوه والأشكال والزخارف والخطوط والألوان أيضا.

وما ميز أعمال الشعيبية انفتاحها على الحلم والاستبطان واللاوعي مع إهمال التقنيات المعروفة في الرسم، وقد عوضت ذلك بغنى الألوان الصافية والانطلاق الطفولي وهي أمور مكنتها من مساحات لا حدود له.

ظلت الشعيبية رغم شهرتها مخلصة لانتمائها الطبقي بوشمها الذي يزين وجهها كباقي نساء المغرب العميق وبمجوهراتها البسيطة وقفاطينها ذات الألوان الصاخبة المستمدة من ألق الطبيعة وسخائها كتلك التي تنقلها إلى لوحاتها، لقد كانت تترجم بمظهرها وبأعمالها معا هويتها الحضارية الأصيلة وبساطتها وعفويتها، وظلت طوال سنوات تجربتها ترعى الطفلة في داخلها فتسعد بما تنجزه من رسومات وأكدت ذلك بقولها: «رسوماتي تجعلني سعيدة».

وتوفيت الفنانة الشعيبية يوم الأحد 2 أبريل 2004 في إحدى مصحات الدار البيضاء، بعدما بصمت الفن التشكيلي العربي والمغربي ببصمة سيحفظها لها التاريخ وأكدت بأنها فنانة تمثل الإصرار على النجاح، وأن لا شيء مستحيل.

واعترافا بما أنجزته تم تكريمها عبر العالم بطرق متعددة، فمثلا اختارت إدارة المعهد البيوغرافي الأميركي للناشرين اسم الشعيبية كواحدة من الفنانات العالميات اللواتي قدمن خدمات جلى في مجال الفنون، وتم إدراج المحتفى بهم في كتاب خاص نشره المعهد اعترافا بكفاءاتهم الفكرية والثقافية والفنية. كما تم انتخابها عضوا بالبرلمان الدولي للأمن والسلام، ومنحتها إحدى الجامعات الأميركية العريقة شهادة الدكتوراه الفخرية، وتم تتويجها سنة واحدة قبل وفاتها بالميدالية الذهبية لجامعة الأكاديمية الفرنسية للتربية تكريما لها وعرفانا بإنجازاتها الفنية.

كما تم إنجاز فيلم مغربي بعنوان «الشعيبية» في نهاية 2015، يسرد سيرتها وهو من إخراج المخرج المغربي الشاب يوسف بريطل تكريما لها واعترافا بدورها في صنع حداثة الفن التشكيلي المغربي وإيصاله للعالمية، وأيضا لإعادة الاعتبار لها بعدما عانت من الظلم في وطنها لما أقصاها رواد الفن التشكيلي المغربي وهمشتها وسائل الإعلام أثناء حياتها.

لا كرامة لفنان في قومه!

رغم سطوع نجم الشعيبية ووصولها إلى العالمية، إذ أصبحت أعمالها الأكثر شهرة في المعارض العالمية مقارنة مع فنانين مغاربة آخرين، قوبلت تجربتها وتجربة مجايليها من الفنانين الفطريين كمحمد بن علال ومولاي أحمد الإدريسي بالرفض من قبل المؤسسين الأوائل لحداثة التشكيل المغربي مثل: فريد بلكاهية والقاسمي وشبعة وغيرهم، والذين كانوا ينضوون تحت لواء مجموعة «الدار البيضاء 65». فقد انتقد هؤلاء الفنانين الاهتمام المفرط بالفن الفطري ومحاباته من قبل الغرب، ورأوا في ذلك - حسب زعمهم - مؤامرة استعمارية تريد تكريس فكرة أن المغرب منتج للبدائي والساذج، وعاجز عن تأسيس تجربة حداثية تعبر عن هويته وخصوصيته. الغريب أن رفضهم انزاح عن المعقول والمنطق، لأن الشعيبية ومعها الفنانون الفطريون ساهموا أيضا في تأسيس حداثة الفن التشكيلي المغربي، كل ما في الأمر أنهم حققوا الاختلاف، وكانت لهم خصوصيتهم المنزاحة عن تجارب مهاجِميهم ومنتقديهم المتعالمة، والتي تأسست في معظمها على خلفيات مستمدة من مدارس الفن في باريس.

رسالة إلى الغائب

لخصت الراحلة فاطمة المرنيسي ما عانته الشعيبية من حيف وأيضا إصرارها على النجاح في «رسالة إلى الغائب» ضمنتها كاتالوغ آخر معرض للفنانة الشعيبية سنة 2004، ولضيق المجال نقتطف من رسالتها بعض الفقرات:

«في هذه الرسالة التي لن تقرئيها، عزيزتي الشعيبية، لأنك مثل أمي لم تتعلمي تهجئة الحروف أو لم يلقنوك دروس محو الأمية كما يقول الموظفون ... لقد تسربت إلى عالم محروس بصرامة، عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من جهة أخرى بقماشة عمودية وفرشاة ولون اصطناعي... من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت بصمت، كما لا تقدر على ذلك سوى النساء العربيات، إلى مواقع السلطات: سلطة الإبداع، سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري... إنك شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنسانا حتى لو كنت امرأة يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية... وردك على المجتمعات التي تحتقر المرأة هو تلطيخ لياليها بألق ألوانك، وكنس القوالب الجاهزة بالإبداع الهادئ لجمال لا يحتاج لإثبات نفسه أمام أي كان، لأنه بكل بساطة ينير من يراه».