الملحق الثقافي

مـن الجميل إلى الجليل

أهرامات مروي في السودان (أرشيفية)

أهرامات مروي في السودان (أرشيفية)

ترجمة د. سعيد توفيق

الشمس هي في وقت واحد مصدر الضوء الذي هو بمثابة الشرط اللازم لأكمل أنواع المعرفة، ومن ثم لأكثر الأشياء بهجة، وهي مصدر الحرارة التي هي الشرط اللازم لكل حياة، وبعبارة أخرى لكل ظاهرة من ظواهر الإرادة في أعلى درجاتها. ولذلك فإن الحرارة تقوم من الإرادة مقام الضوء من المعرفة. ولهذا فإن الضوء هو أكبر قطعة من الماس في تاج الجمال، وله أكبر تأثير حاسم على المعرفة بكل موضوع جميل.

إن حضور الضوء يكون بوجه عام شرطاً لا غنى عنه، وتوزيعه الملائم يزيد من قدر الجمال في الموضوع الجمالي. ولكن في فن المعمار يكون الجميل في المقام الأول هو ما يزداد قدره بفضل الضوء، ومن خلاله تبدو حتى أكثر الأشياء تفاهة موضوعاً جميلاً.
وعلى هذا، فإذا ما كنا في عمق فصل الشتاء حيث تتجمد الطبيعة وتصبح قاسية، ورأينا أشعة الشمس الغاربة تعكسها الكتل الحجرية بحيث تضيء دون أن تشع حرارة، ومن ثم تكون ملائمة فحسب لأنقى أنواع المعرفة وليس للإرادة - فإن تأمل التأثير الجمالي للضوء على هذه الكتل ينقلنا إذن إلى حالة المعرفة الخالصة، مثلما يفعل كل جمال. ولكن بما أننا هنا يكون لدينا تذكر على نحو خافت لافتقار هذه الأشعة للحرارة، وبعبارة أخرى لغياب مبدأ الحياة؛ فإن نوعاً معيناً من التعالي على اهتمام الإرادة يكون مطلوباً هنا. إذ يوجد هنا تحدٍّ طفيف للبقاء في حالة المعرفة الخالصة، وللانصراف عن كل مشيئة؛ وهذا بالضبط هو ما يجعلنا ننتقل من حالة الشعور بالجميل إلى حالة الشعور بالجليل، وهذا أضعف أثر للشعور بالجليل في الجميل، والجمال ذاته يظهر هنا بدرجة طفيفة فحسب. والمثال التالي أقرب أن يكون مثالاً على هذا الأثر الضعيف.

الأثر الضعيف
لنتخيل أنفسنا وقد انتقلنا إلى منطقة موحشة تماماً لا حدود لآفاقها، تمتد تحت سماء خالية تماماً من أية سحب، ولا هواء هناك يحرك للأشجار والنباتات ساكناً، ولا وجود لحيوانات ولا بشر، ولا ماء يجري؛ إنه الصمت المطبق. إن مثل هذه البيئة التي نجد أنفسنا فيها تبدو كما لو كانت دعوة إلى أخذ الأمر مأخذ الجد، إلى التأمل، مصحوباً بشعور التحرر التام من المشيئة بكل رغباتها الملحَّة؛ ولكن هذا هو بعينه ما يضفي على ذلك المشهد من العزلة التامة والسكون المطبق مسحة من الجليل. فحيث إن ذلك المشهد لا يقدم أية موضوعات- مرغوبة أو غير مرغوبة- للإرادة المحتاجة دوماً إلى الصراع ونيل المراد؛ فإنه لا يبقى هناك سوى حالة التأمل الخالص، ومَن لا يكون قادراً على هذا التأمل يبقى متروكاً في حالة من الخزي لخواء إرادة فارغة، لعذاب الملل وبؤسه. وعلى هذا، فإن ذلك يمدنا بمقياس لمستوى قيمتنا العقلية، وبوجه عام فإن درجة قدرتنا على تحمل العزلة - أو حبنا لها- تعد معياراً جيداً لذلك. ولذلك فإن البيئة التي وصفناها للتو تقدم لنا مثالاً على الجليل في درجة ضعيفة من درجاته؛ لأنه في هذه البيئة تكون حالة المعرفة الخالصة بهدوئها وكل كفايتها ممتزجة- في نوع من التضاد- بالتفكر عندئذٍ في احتياج الإرادة وتعاستها، باعتبارها في حاجة إلى نشاط متواصل. وهذا النوع من الجليل هو الذي بفضله ذاع صيت مشهد البراري التي لا حدود لها في عمق شمال أميركا.

الجليل في درجة أعلى
لنتخيل الآن أن هذا الإقليم وقد تجرد من النبات، ولم يظهر فيه سوى صخور جرداء؛ فإن الإرادة سوف يسيطر عليها الانزعاج على الفور، نظراً للغياب التام لتلك الحياة العضوية التي تكون ضرورية لبقائنا. إن الصحراء تتخذ مظهراً مخيفاً، ومزاجنا يصبح أكثر مأساوية. والتسامي إلى حالة المعرفة الخالصة في هذه الحالة يحدث من خلال قدر أكبر من الإصرار على التحرر من اهتمام الإرادة، ومن خلال تشبثنا بحالة المعرفة الخالصة، فإن الشعور بالجليل يظهر عندئذ بوضوح.
ولكن الموقف التالي قد يسبب هذا الشعور بالجليل بدرجة أعلى. إن الطبيعة التي تكون في حالة هياج وثورة عاصفة، وتبدو شبه مظلمة من خلال السحب الرعدية السوداء التي تهددنا، والجروف الناتئة الجرداء الشاسعة تحجب المشهد بفعل كتل من سيل مندفع يرغي ويزبد؛ إنها صحراء بالمعنى الأتم؛ وعواء الرياح يترامى بين الوهاد. وعندئذٍ يظهر لنا بوضوح علاقتنا وصراعنا مع الطبيعة العدائية بالنسبة إلينا، وإرادتنا المنكسرة في هذا الصراع. ومع ذلك، فما دام التأثر الشخصي لم يسيطر علينا، واستغرقنا في التأمل الجمالي، فإن الذات العارفة الخالصة ترقب مشهد صراع الطبيعة، وترقب مشهد الإرادة المنكسرة، وتدرك في هدوء- دون أن تتزعزع أو تبالي بما يدور حولها- المُثُل الكائنة في تلك الموضوعات ذاتها التي تهدد وتزعج الإرادة. وفي هذا التقابل بين الحالين يوجد الشعور بالجليل.
ولكن الشعور بالجليل يصبح أكثر قوة عندما نجد أمام ناظرينا صراع قوى الطبيعة الهائجة على نطاق واسع، عندما نجد بين هذه البيئة المحيطة بنا شلال هادر يحول دون إمكانية سماع أصواتنا، أو عندما نتعرض لنوَّة بحرية عاصفة، حيث ترتفع وتهبط الأمواج الجَبَلية العاتية، لترتطم بعنف بالجروف الغاطسة، ولتقذف رذاذها عالياً في الهواء، فالرياح العاصفة تعوي، والبحر يزمجر، والضوء يومض من بين السحب السوداء، وقصف الرعد يطغى على ضجيج العاصفة والبحر. عندئذٍ فإن المُشاهِد الذي يكون رابط الجأش حينما يرى هذا المشهد، يشعر بالطبيعة المزدوجة لوعيه في أقصى درجات تميزها: فهو- من ناحية - يشعر أنه فرد، أي ظاهرة ضعيفة للإرادة يمكن أن تسحقها أخف لمسة من هذه القوى، لا حول لها في مواجهة هذه الطبيعة الجبارة، فهي متروكة للمصادفة، متوقفة عليها، وهي عدم متلاشٍ إزاء تلك القوى الهائلة؛ وهو- من ناحية أخرى- يشعر أيضاً أنه ذات عارفة هادئة خالدة، تعد باعتبارها شرط كل موضوع بمثابة الدعامة التي يقوم عليها هذا العالم في مجمله، وصراع الطبيعة المخيف يوجد فقط بالنسبة له باعتباره صورة ذهنية أو تمثُّلاً، وهو ذاته في حالة التأمل الهادئ للمثل يكون متحرراً من كل مشيئة ومن كل حاجة. وهذا هو الشعور الممتلئ بالجليل. وهذا الشعور يحدثه هنا مشاهدة قوة تفوق الفرد بشكل لا نظير له، قوة تهدد بسحقه.

منشأ الشعور بالجلال
يمكن أن ينشأ الشعور بالجليل بطريقة مختلفة تماماً من خلال تخيلنا لمجرد كتلة ضخمة تمتد في المكان والزمان، يؤدي اتساعها الهائل إلى أن يشعر الفرد بالتضاؤل إلى حد العدم. وإذا أبقينا على مصطلحات كانط وتقسيمه الدقيق؛ فإننا يمكن أن نسمي النوع الأول بالجليل الحركي das Dynamisch Erhabene، ونسمي النوع الثاني بالجليل الرياضي das Mathematisch Erhabene، رغم أننا نختلف كليةً عن كانط في تفسيره للطبيعة الباطنية لهذا الشعور، ولا يمكن أن نشارك مطلقاً في هذا التفسير سواء في صلته بالتأملات الأخلاقية أو بالعناصر المستمدة من الفلسفة المدرسية.
إننا إذا استغرقنا في تأمل الاتساع اللانهائي للكون الممتد في المكان والزمان، وأمعنا النظر في آلاف السنين التي مرت وفي تلك التي ستأتي؛ أو إذا ما جلبت السماوات في الليل أمام ناظرينا عوالم لا تحصى، ومن ثم تفرض على وعينا الشعور بالاتساع الهائل للكون؛ عندئذٍ نشعر بأننا تضاءلنا إلى حد العدم، نشعر بأنفسنا- باعتبارنا أفراداً، وأجساماً حية، وظواهر عابرة للإرادة- كأننا قطرات في محيط، نتضاءل ونتلاشى إلى حد العدم، ولكن في مواجهة شبح عدميتنا، أي في مواجهة مثل هذه الاستحالة الكاذبة، ينشأ لدينا وعي مباشر بأن كل هذه العوالم إنما توجد فحسب كتمثل لنا، توجد كأحوال للذات العارفة الخالصة الخالدة، وهذا الحال الذي نجد أنفسنا عليه، والذي ينشأ بمجرد أن ننسى فرديتنا، هو الدعامة الضرورية التي تعد شرطاً لكل العوالم ولكل الحقب الزمانية. فاتساع العالم الذي - كان من قبل يكدر صفو هدوئنا العقلي- نشعر الآن أنه يمتد داخلنا، وتبعيتنا له تَبطُل الآن بتبعيته لنا، غير أن هذا كله لا يصبح موضوعاً للتأمل على الفور، وإنما يتبدى كوعي نشعر فيه أننا بطريقة ما أو بأخرى (لا توضحها سوى الفلسفة) أننا متحدون بالعالم؛ ولذلك فإن اتساعه الهائل لا يُضيِّق علينا، وإنما يسمو بنا.
إننا نتلقى الشعور بالجليل الرياضي على نحو مباشر من خلال مكان ما يعد حقّاً صغيراً إذا ما قورن بالكون، ولكنه - باعتباره موضوعاً لإدراكنا المباشر وبكليته - يؤثر فينا بفضل حجمه الهائل الممتد في المكان بكل أبعاده الثلاثة، ويكون كافياً ليجعلنا نشعر بأن حجم جسمنا يتضاءل تقريباً إلى ما لا نهاية، وهذا لا يمكن أن يحدث أبداً بفعل مكان يكون خالياً أمام الإدراك الحسي؛ ولذلك لا يمكن أن يحدث أبداً من خلال مكان مفتوح، وإنما من خلال مكان يمكن إدراكه مباشرة بكل أبعاده من خلال التحدد؛ كأن يكون من خلال قبة شاهقة ضخمة مثل قبة كنيسة القديس بطرس في روما وكنيسة القديس بول في لندن، فالشعور بالجليل ينشأ هنا من خلال كوننا واعين بالعدمية المتلاشية لجسمنا إزاء كيان هائل يعد هو ذاته- من ناحية أخرى- موضوعاً يكمن فحسب في تمثلنا، ونكون نحن بالنسبة له بمثابة الدعامة التي يقوم عليها. ولذلك فإن الشعور بالجليل ينشأ هنا- مثلما ينشأ في كل سياق آخر- من خلال التقابل بين الشعور بأنفسنا كأفراد بلا قيمة وتابعين، أي كظواهر للإرادة، والشعور بأنفسنا كذات عارفة خالصة. وحتى قبة السماوات المرصعة بالنجوم، إذا ما تأملناها دون تأمل انعكاسي للذات، سيكون لها فحسب نفس التأثير الذي تحدثه فينا القبة المشيدة من الحجر، وستؤثر فينا، لا من خلال ضخامتها الحقيقية، وإنما من خلال ضخامتها الظاهرة، وكثيراً من موضوعات إدراكنا العياني تثير فينا الشعور بالجليل بفضل ضخامتها الممتدة في المكان وقدمها الهائل؛ ومن ثم امتدادها في الزمان؛ فنحن نشعر في حضورها بأننا تضاءلنا حتى أصبحنا لا شيء، ومع ذلك فإننا نطرب في الاستمتاع بمشاهدتها. ومن بين هذا النوع من الموضوعات على سبيل المثال: الجبال شاهقة الارتفاع، والأهرامات المصرية، والأطلال الضخمة الباقية من الآثار العظيمة.

الجليل الأخلاقي
والحقيقة أن تفسيرنا للجليل يمكن توسيعه ليشمل الجانب الأخلاقي، أعني ليشمل ما نصفه بالخُلُق الجليل، فمثل هذا الخُلُق ينشأ من أن الإرادة هنا لا تستثيرها الموضوعات التي من المقدر يقيناً أن تستثيرها، فهو ينشأ من أن المعرفة يكون لها السيادة. ومن ثم، فإن صاحب هذا الخُلُق الجليل سوف ينظر إلى الناس بطريقة موضوعية خالصة، وليس وفقاً لما يمكن أن يكون لديهم من علاقات بإرادته، فهو- على سبيل المثال- سوف يلاحظ خطاياهم، بل سيلاحظ حتى كراهيتهم وظلمهم له، دون أن يكون لهذا أثر في إثارة الكراهية من جانبه، وسوف يتأمل سعادتهم دون أن يشعر بالحسد، وسيتعرف على صفاتهم الخيِّرة دون أن يرغب في الارتباط بهم على نحو أكثر قرباً، وسيدرك جمال النساء دون أن يشتهيهن. فسعادته أو تعاسته الشخصية لن تؤثر فيه بقوة، فهو بالأحرى سوف يصدق عليه وصف هاملت لهوراشيو:

لأنك كنت دائماً
في معاناتك لكل شيء، كمن لم يعان شيئاً؛
فلقد تلقيت مصائب الدهر وحظوظه بنفس الشكر على ما أتاك

(المشهد الثالث، الفصل الثاني)
لأن ذا الخلق الجليل عبر مسار حياته بما فيها من نوائب، سوف ينظر إلى نصيبه الفردي الخاص في الحياة باعتباره أقل من نصيب البشر عموماً؛ وبالتالي سوف يهيئ نفسه لأن يحيا باعتباره شخصاً عارفاً، لا شخصاً يعاني نوائب الحياة.

التأمل الجمالي
طالما أن التأثر الشخصي لم يسيطر علينا، واستغرقنا في التأمل الجمالي، فإن الذات العارفة الخالصة ترقب مشهد صراع الطبيعة، وترقب مشهد الإرادة المنكسرة، وتدرك في هدوء - دون أن تتزعزع أو تبالي بما يدور حولها- المُثُل الكائنة في تلك الموضوعات ذاتها التي تهدد وتزعج الإرادة. وفي هذا التقابل بين الحالين يوجد الشعور بالجليل.

ضآلة
كثير من موضوعات إدراكنا العياني تثير فينا الشعور بالجليل بفضل ضخامتها الممتدة في المكان وقدمها الهائل؛ ومن ثم امتدادها في الزمان؛ فنحن نشعر في حضورها بأننا تضاءلنا حتى أصبحنا لاشيء، ومع ذلك فإننا نطرب في الاستمتاع بمشاهدتها. ومن بين هذا النوع من الموضوعات على سبيل المثال: الجبال شاهقة الارتفاع، والأهرامات المصرية، والأطلال الضخمة الباقية من الآثار العظيمة.